الرئيسية / ابحاث ودراسات / نيجيريا والزحف الشيعي: “دولة داخل الدولة”

نيجيريا والزحف الشيعي: “دولة داخل الدولة”

على الرغم من أن الشيعة في نيجيريا يمثلون أقلية لا يتجاوز عددها الثلاثة ملايين من بين أغلبية سكانية تتوزع بين مسلمي السنة ومسيحيي البروتستانت إلا أن البعض يعتبرها بمثابة دولة داخل الدولة؛ لذلك لابد من تسليط الضوء على الأوضاع في نيجيريا خاصة بعد إطلاق الجنود النار على محتجيين شيعيين في آواخر أكتوبر الماضي؛ وعلى إثر ذلك صرح المتحدث باسم الجيش أن أفرادًا ينتمون “للحركة الإسلامية” في نيجيريا شنوا هجومًا على جنودٍ كانوا ينقلون أسلحة وذخيرة على جسر “زوبا” بعد ظهر يوم السبت الموافق 27 أكتوبر2018، وأن هؤلاء الأفراد المناصرين لرجل الدين الشيعي “إبراهيم الزكزاكي” المحتجَز داخل السجون النيجيرية أقاموا حاجزًا غير قانوني لمنع السيارات من حرية السير، وقد سعى الجيش إلى إزالة تلك الحواجز ومن ثم واجه معارضة شديدة، ولم يجد الجيش مفر من إطلاق النار على أعضاء الحركة بعد أن قاموا برشق الجنود بالحجارة وأخذ الذخيرة والصواريخ التي كانت مع هؤلاء الجنود، وقد نتج عن هذا مقتل أفراد من أعضاء الحركة المحتجين وإصابة جنديين بإصابات مختلفة؛ وعلي إثر هذه الحادثة يُفتح ملف الشيعة في نيجيريا من جديد.

دخول الإسلام نيجيريا

لقد كان للتجار العرب دورًا كبيرًا في دخول وانتشار الإسلام في نيجيريا في القرن التاسع الميلادي، وكانت نيجيريا في ذلك الوقت تابعة لمملكة “كانم برنو” التي اتخذت من الإسلام ديانة رسمية لها، ولكن هناك مصادر أخرى تُوفي بأن الإسلام انتشر في نيجيريا أثناء الفتوحات الإسلامية في “شمال إفريقية” علي يد قائد الفتوحات الإسلامية آنذاك “عقبة بن نافع” عام 666م ثم بعد ذلك أخذ الإسلام ينتشر بشكل أكثر اتساعًا حتي بداية القرن التاسع الميلادي.

بداية التشيّع

لقد كانت المظاهر السنية تغلُب علي الشعب النيجيري، فهم معروفون بانتمائهم السُني وارتباطهم بسيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ وبالرغم من ذلك وجد التشيّع طريقه في نيجيريا بين طلاب الجامعات الذين يدرسون العلوم الطبيعية البعيدة عن العلوم الشرعية؛ والتي منها علوم الطب والاقتصاد وغيرها من العلوم التي تُعرف بالعلوم الدنيوية.

لقد تأثر هؤلاء الطلاب بالتيار الشيعي الوافد من الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد الثورة التي أطاحت بحكم الشاه “محمد رضا البهلوي”، ويُذكر أن من أهداف الثورة الإيرانية هو نشر النهج الشيعي من خلال الشعارات والخطب البرّاقة التي تجذب الكثير من الشباب والطلاب الجامعي؛ وكان من ضمن الطلاب الذين تأثروا بهذه الشعارات “إبراهيم الزكزاكي” في أواخر القرن الماضي تحديدًا عام 1980م، وكان هذا العام بمثابة نقطة الانطلاق للفكر الشيعي في نيجيريا.

من هو إبراهيم الزكزاكي؟

يُعد “إبراهيم الزكزاكي” زعيم المنظمة الإسلامية في نيجيريا وزعيم الحركة الشيعية التي ظهرت في أواخر القرن الماضي، وُلد “زكزاكي” في بلدة “زاريا” عام 1953م، وشرع في الترويج للأفكار الشيعية أثناء الثورة الإسلامية في إيران 1979م من خلال حصوله على الترجمات الشيعية التي كانت توزعها السفارة الإيرانية مجانًا، ويُعد “زكزاكي” الأب الروحي للحركة الإسلامية الشيعية هناك، ولـــــــ “زكزاكي” الكثير من الـأ نشطة سواء كانت أثناء فترته الجامعية وتأثره بأفكار “سيد قطب” و”آية الله الخُميني” فبدأ مع أصدقائه رابطة شباب المسلمين ومن خلالها بدأت أنشطته الحركية، وباندلاع الثورة الإيرانية بدأت الأفكار تراوض “زكزاكي” بامكانية إنشاء دولة دينية علي غرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 على الرغم من الأغلبية السُنية في نيجيريا إلا أن الحركة الشيعية هي التي تحظى بالاهتمام بسبب أعضاء الحركة الإسلامية في شمال نيجيريا وتحديدًا في “زاريا”، فهناك الخلاف القائم بين السلطة وأهل بلدة “زاريا” الشيعية _فمن ضمن 180 مليون مواطن نيجيري يُمثل المسلمون حوالي 50% من السكان ومنهم ثلاثة ملايين شيعي_ ففي 2015 أُثيرت أعمال عنفٍ بين الجيش النيجيري وأتباع الحركة الشيعية نتج عنها 60 قتيلًا.

أحداث “زاريا” والأزمة بين السلطة والشيعة

على إثر اتهام الجيش النيجيري لأعضاء الحركة الشيعية بتدبير محاولة لإغتيال رئيس أركان الجيش، حدثت المواجهات الدامية التي أودت بحياة العشرات من أنصار “زكزاكي” بمدينة “زاريا” شمال نيجيريا، وبدأ ناقوس الخطر الذي ادّعته السلطات في نيجيريا عندما حصل أنصار “زكزاكي” على الدعم المالي والعسكري من إيران ومن الحرس الثوري بشكل خاص فيما اعتبره البعض تصدير الثورة الإيرانية.

ولم يتوقف الأمر على الدعم المالي والعسكري بل وصل إلى اتهام السلطات النيجيرية بوجود عناصر تحت التدريب في إيران، وقد تم تشكيل فصيل مسلح للحركة الشيعية لعناصر قد سبق تدريبها، وقام هذا الفصيل بشن هجمات متفرقة سواء على عناصر من الجيش الوطني أو عناصر من المسلمين السُنة في زاريا نفسها أو مناطق متفرقة شمال نيجيريا، وبدأ الخلاف بين الدولة والشيعة في الإتساع عندما تنامى نفوذهم حتى تم وصفهم بدولة داخل الدولة وهذا يُمثل تهديدًا حقيقيًا للبلاد.

وأفادت التقارير في هذا الشأن بأن الأمر انتهى بمجزرة سُميت بـ”مجزرة المسلمين” في نيجيريا، حيث وصل عدد الضحايا نحو ألف قتيل بما فيهم ابن وزوجة “زكزاكي” وبعض من أبرز قادة الحركة، واُعتقل “زكزاكي” في النهاية بعد إصابته نتيجة للاشتباكات مع عناصر من الجيش، واستمر الخلاف القائم بين الحركة الشيعية والجيش النيجيري حتى وصل إلى سقوط ضحايا جُدد مع مرور الوقت في مطلع هذا العام، وكان أخرهم سقوط ضحايا  تابعين لـ”زكزاكي” في نهاية شهر أكتوبر الماضي.

وفي مطلع نوفمبر 2018 استمر رفض السلطات النيجيرية بإطلاق سراح زعيم الحركة الشيعية بعد طلبه بالإفراج المشروط، ليتبعه برد من إيران بأنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لوقف سلسلة الاعتداءات على ما أطلقت عليهم بـــــ “آل البيت”.

هل هناك خلاف بين إيران ونيجيريا؟

بدأت العلاقات الثنائية بين إيران ونيجيريا في عام 1973م، حيث قامت كلا منهما بافتتاح سفارتها في البلد الأخر، وهذا يشير إلى أن العلاقات بينهما تسبق اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، لكن بعد الثورة أخذت السفارة الإيرانية بالقيام بدورها المعهود حاليًا بنشر الترجمات الشيعية وتوزيعها مجانًا على المواطنين في إطار تنمية الدور الإيراني في إفريقيا ومحاولاتها لمد نفوذها الشيعي _حيث تَعتبر إيران نفسها بأنها الوصي الشرعي على الشيعة المتواجدين في أي بلدٍ كان_ وكان لنيجيريا نصيب من ذلك الدور.

وقد ثارت الخلافات بين البلدين بسبب دعم إيران للحركة الشيعية في نيجيريا بالمال والسلاح نتج عنها إغلاق نيجيريا لسفارتها حتي عام 1987م، إلا أن ذلك لم يمنع استمرار التوترات السياسية والدبلوماسية المؤقتة بينهما نتيجة لاستمرار التدخل الإيراني ودعمها للشيعة مما أدي إلى انقطاع العلاقات على فترات متقطعة لتعاود مسارها من جديد.

  • أهمية نيجيريا لإيران

تُعد نيجيريا أكثر البلاد الأفريقية التي تحظى باهتمام واسع في السياسية الخاجية الإيرانية منذ الثورة الإسلامية في 1978م، وذلك لأن نيجيريا بها كثافة سكانية كبيرة تبلغ نحو 180 مليونًا ويمثل المسلمون من تلك الكثافة نحو 50%، لذلك ترغب إيران في لعب دور الوصي على هؤلاء المسلمين لتجعلهم يتبنوا الأفكار الشيعية بدلاً من السُنية، والمعروف أن غالبية مسلمي نيجيريا هم من أتباع السنة بما يزيد عن 80 مليونًا، بمعنى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجدت في نيجيريا أرض خصبة لتوسيع هيمنتها السياسية مستخدمة القوة الناعمة، وفي إطار ذلك سعت إيران إلى توقيع عدة اتفاقيات ثنائية بينهما في مجال الثقافة والتعليم والتبادل الطلابي حرصًا منها على ترويج الفكر الشيعي.

  • مظاهر الدعم الثقافي الإيراني للشيعة في نيجيريا
  • إنتاج فيلم وثائقي يحكي قصة حياة الشيخ “الزاكزاكي” زعيم الحركة الشيعية.
  • ترجمة وطباعة الكتب الدينية ذات المذهب الشيعي مجانًا.
  • إنشاء المؤسسات الثقافية ومنها “دار الثقلين” في مدينة “كانو”، وهي مؤسسة تابعة لإيران.
  • إقامة علاقات وروابط مع شخصيات عامة وأساتذة في الجامعات والشخصيات النخبوية.

وكما أبرزنا التوتر القائم نتيجة الخلافات بين الحركة الشيعية والسلطات في نيجيريا إلا أنه يتم وصف العلاقات النيجيرية الإيرانية بالجيدة، فهي لم تبدأ إلا بعد انضمام نيجيريا لمنظمة “أوبك” في 1971م ومع مرور الوقت كانت هناك تفاهمات متبادلة بينهما إلا في حالات تخص الحركة الشيعية، ومع ذلك هناك اتفايات ثنائية وتفاهمات دبلوماسية وسياسية واقتصادية، وهناك رغبة متواجدة لدى البلدين لتوسيع العلاقات فيما بينهما، والتقى وزير خارجية إيران “محمد جواد ظريف” في أخر زيارة قام بها برئيس نيجيريا “محمد بخاري” وتحدث الطرفان عن سبل توسيع العلاقات فيما بينهما لتنتهي الزيارة بتوقيع مذكرة تفاهم على مستوى وزراء الخارجية.

حتمية دور الوصي الشرعي الإيراني

من الواضح أن إيران لن تتخلى عن دور الوصي فيما يخص رعايتها لمسلمي الشيعة في بلدان العالم الإسلامي، وبما أن نيجيريا تُعد بمثابة ملفًا مهمًا وشائكًا بالنسبة للسياسة الخارجية الإيرانية؛ فستظل إيران محتفظة بتلك السياسة التدخلية التي تتبعها في الشأن النيجيري بُحجة حماية الشيعة هناك ، وذلك عن طريق تزويد أتباع الحركة الشيعية بالدعم المعنوي والمادي الذي يحتاجونه؛ لذا من المتوقع أن تستمر الاحتجاجات الشيعية مما يؤدي إلي زيادة الاشتباكات مع القوات النيجيرية والتي من المؤكد سوف تُسفر عن العديد من الضحايا من كلا الطرفين.

 

إعداد:

حسين حمدي الأجلي

رنا محمد علي

إشراف:

هاني غنيم

عن efsr egyot

شاهد أيضاً

الاندماج الوطني في غانا

إعداد/  منار شوقي أحمد محمد إسماعيل إشراف/ هاني غنيم   تقع دولة غانا على الساحل ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *