الرئيسية / ابحاث ودراسات / منافع متبادلة: العلاقات التركية الإسرائيلية

منافع متبادلة: العلاقات التركية الإسرائيلية


تميزت العلاقات التركية – الإسرائيلية على مدى ستة عقود بوجود مصالح ومنافع متبادلة على كافة المستويات، وذلك تحت رعاية سلسة من الحكومات التركية المتعاقبة التي سيطرت على الحكم معظم هذه الفترة.

فتركيا هي أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل عام 1949، وتقيم معها علاقات دبلوماسية ودخلت هذه العلاقات مرحلة جديدة من التعاون بعد التوقيع على التعاون الإستراتيجي بين البلدين خلال عام 1996، غير أنها شهدت فتوراً مع تولي حزب العدالة والتنمية الحكم عام 2002، على خلفية التغيرات والتطورات الإقليمية، بداية بالعدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2001، وما تبعها من حرب غزة أواخر عام 2002، وبداية عام 2009، فضلاً عن حادثة دافوس عام 2009، إثر تعليقات الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز حول الحرب على غزة لتتوتر هذه العلاقات بشكل غير مسبوق إثر الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية عام 2006،(1)..

 

(أ): العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل.         

شهدت العلاقات السياسية والدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل تطوراً بعد إعلان اليهود تأسيس دولة إسرائيل في فلسطين عام 1948، حيث كانت تركيا أول دولة إسلامية تعترف بدولة إسرائيل، رغم أنها أيدت الاستقلال الكامل لفلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة بتصويتها ضد قرار التقسيم 181 الصادر في 28 نوفمبر 1947، وقد بررت تركيا بأن غايتها من هذا الاعتراف هي كسب حليف شرق أوسطي لمواجهة الخطر الشيوعي.

عرفت العلاقات التركية – الإسرائيلية قفزة خلال تلك الفترة حيث تم تبادل البعثات الدبلوماسية بينهما كما استقبلت تركيا ملحقاً عسكرياً إسرائيلياً وقامت إسرائيل بالمقابل بتعيين فيكتور أليعزر قنصلاً عاماً، في مقابل ذلك عينت تركيا سفيراً فوق العادة في تل أبيب. وفي أعقاب ذلك سمحت تركيا لليهود الأترك بالهجرة إلى فلسطين، كل هذا التطور كان في عهد الرئيس التركي عصمت إينونو.

في عام 1956، قامت تركيا بإجراء تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل إلى درجة القائم بالأعمال رداً على العدوان الثلاثي على مصر إستجابتاً للرأي العام التركي.

ولكن بعد تلك الحقبة  تطورت العلاقات السياسية والدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل بشكل واضح بعد الزيارة السرية التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن غريون إلى تركيا، حيث التقى برئيس الحكومة التركية عدنان مندريس. وقد جرى التحضير لهذه الزيارة خلال إجتماعات سبقتها بين وزير الخارجية التركي فاتن رشدي زورلو مع نظيرته الإسرائيلية غولدا مئير وإجتماع رئيس الأركان التركي إبراهيم فايزي مع السفير اإلسرائيلي الياهو ساسون، من أجل إقامة حلف إقليمي يرمي إلى تقوية التحالف الإستراتيجي، الإستخباراتي، الإقتصادي بين كل من إسرائيل وتركيا.(2)

ولكن لم تستمر العلاقات السياسية إلى أن تدهورت تلك العلاقة بين حكومة العدالة والتنمية التي يقودها أردوغان وإسرائيل ففي فبراير 2009، في مؤتمر دافواس الاقتصادي في سويسرا، عندما حدث تشاحم بين أردوغان والرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز وأعطى مدير جلسة النقاش 25 دقيقة للأخير و12 دقيقة فقط للمسؤول التركي، مما دفعه للانسحاب وقد اتهم أردوغان المسؤولين الاسرائيلين بارتكاب المجازر بحق الفلسطينيين في حرب غزة (الرصاص المصبوب) والتي انتهت أوائل عام 2009، واستقبل أردوغان استقبالا حافلاً عندما عاد إلى أنقرة ولكن اتهمته المعارضة التركية باستغلال القضايا العربية من أجل اكتساب الشعبية قبيل الانتخابات البلدية التي كانت ستجري في العام التالي. منذ مؤتمر دافوس تشهد العلاقات بين أنقرة وتل أبيب توتراً ملحوظًا حيث أستدعت أنقرة سفيرها للتشاور في يناير 2010، نتيجة تعمد الخارجية الإسرائيلية إهانة السفير التركي بعدم وضع علم بلاده على الطاولة(3).

 

(ب) العلاقات العسكرية بين إسرائيل وتركيا.

في عام 2002، حينما تولى حزب العدالة والتنمية الحكم، وقعت تركيا مع إسرائيل عقداً عسكريا بقيمة 999 مليون دولار، بهدف تطوير دبابات تركية ليصل عددها إلى 270 دبابه من طراز أم 90، حيث اشترت في عام 2005، نظم محطات أرضية من شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية بتكلفة 294 مليون دولار. وبموجب هذا الإتفاق، حصلت تركيا على 20 محطات أرضية تضم كل واحدة منها 4 أو3 طائرات بدون طيار. وفي نفس العام  زار رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان إسرائيل وبحث مع المسؤولين الإسرائيليين توقيع صفقة عسكرية تصل قيمتها إلى نصف مليار دولار، تنص على تحديث 4 طائرات حربية من طراز أف 4 فانتوم وفي مارس 2009،وأبرمت السلطات العسكرية التركية صفقتين دفاعيتين مع إسرائيل، الصفقة الأولى لبرامج استطلاعية عالية التقنية، والثانية لأغراض التشويش على الرادارات، وفي عام 2008، تواصل التعاون العسكري بين البلدين. فقد تعددت زيارات المسؤولين العسكريين المتبادلة سواء على مستوى وزير الدفاع، أم على مستوى القوات الجوية والبحرية.

بالتوازي مع هذا في نفس العام جرت مناورات عسكرية جوية وبحرية مشتركة مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية واستمر التعاون الإستخباراتي بين تركيا وإسرائيل بشأن الأكراد حيث تُعتبر الحرب القائمة بين تركيا والأكراد هي دافع من الدوافع التي دفعت تركيا إلى التوجه نحو إسرائيل عسكرياً لطلب المعدات المتطورة العسكرية التي ترصد الأكراد في شمال العراق وسوريا(4).

ولكن بالتوازي مع تدهور العلاقات الدبلوماسية بين تركيا إسرائيل عام 2009،  عقب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، أعلنت تركيا إلغاء مشاركة إسرائيل في مناورات نسر الأناضول في 9 أكتوبر 2009، كما ألغت تركيا عدداً من خطط التسلح التي كان من المفترض أن تتعاون فيها مع إسرائيل.

(ب): العلاقات الإقتصادية بين تركيا وإسرائيل.

لفهم العلاقات الإقتصادية بين تركيا وإسرائيل لابد من إيضاح تصريح نائبة وزير الخارجية الإسرائيلية تسيفى حوتبلى، حيث قالت؛ أن تل أبيب غير معنية بقطع العلاقات مع تركيا، وذلك على أثر تطور الأوضاع في قطاع غزة معتبرة ذلك هدفاً استراتيجيًا فى السياسة الإسرائيلية، وأن العلاقات مع تركيا تمثل أهمية كبيرة وأضافت حوتبلى، فى تصريحات لإذاعة إسرائيل في 22 مايو 2018، أن هناك علاقات تجارية وإقتصادية أقوى من أى خلاف سياسى مع أنقرة وقع بسبب الأحداث الأخيرة فى قطاع غزة، منها على سبيل المثال أن تل أبيب تستخدم المجال الجوى التركى خلال الرحالات إلى أوروبا(5)

فلماذا قالت نائبة وزير الخارجية الإسرائيلية: أن تل أبيب غير معنية بقطع العلاقات مع إسرائيل؟؟ ولفهم جوانب هذا التصريح لابد من توضيح بعض الأرقام التي تخص العلاقة النفعية المتبادلة بين إسرائيل وتركيا !

فوفقاً لإحصائيات صندوق النقد الدولي جاءت إسرائيل في المرتبة العاشرة كأكبر أسواق الصادرات التركية في عام 2017، حيث أشترت سلعاً بحوالي 3.4 مليار دولار تقريباً من تركيا، وإحتلت الخطوط الجوية التركية المركز الأول بين شركات الطيران والخطوط الجوية التي تتعامل مع إسرائيل، كما أظهر التقرير السنوي للعام 2017، الصادر عن دائرة الإحصاء التركية المنشور في إبريل 2018 أن تركيا تعد الدولة الأولى في تصدير الإسمنت والحديد لإسرائيل حيث صدرت 45% من إجمالي ما استوردته إسرائيل من الحديد  و 59% من إجمالي ما استوردته من الإسمنت وهما مادتان اساسيتان في بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.(6)

ووفقاً لهذه المؤشرات فإن الخطاب التركي السياسي الذي يظهر للرأي العام المحلي والعالمي ضد إسرائيل من القيادة التركية لا يراد به إلا مكسب سياسي سواء في الداخل او في الخارج،  وتكون موجهة معظمها بشكل مباشر للرأي العام التركي، ولذلك فإن تلك العلاقات بين البلدين يحكمهما مؤشرات أخرى كهذه المؤشرات الإقتصادية الهامة التي توضح أن هناك شراكة إقتصادية واضحة وقوية بين تركيا وإسرائيل.

 

(ج): أسباب إستمرار توجه السياسة الخارجية التركية نحو إسرائيل.

تنتهج أنقرة كما غيرها من بعض الدول العربية والإسلامية سياسة خارجية معينة تجاه إسرائيل، وتتصف هذه السياسة بالبرجماتية الليبرالية النفعية وما يؤكد حجم ذلك، التعاون الإقتصادي والدبلوماسي بين إسرائيل وتركيا من جهة او التعاون بين بعض العواصم العربية وإسرائيل من جهة أخرى.

تعمل أنقرة على التعاطي مع إسرائيل لعد أسباب منها السياسية ومنها العسكرية ومنها الإقتصادية الذي وصل فيها التبادل التجاري 3.4 مليارات دولار بين البلدين عام 2017.

ومن ثم فإن أنقرة تحاول أن تبقى على العلاقات مع إسرائيل لضمان حصتها الإقتصادية النفعية المتبادلة معها والتي يحتاج إليها الطرفان، هذا من جانب فمن جانب أخر تحاول أنقرة أن تتعاطى سياسياً مع إسرائيل لكسب التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية العضو الأكبر في حلف شمال الأطلسي، وبالتالي فإن إستمرار تلك العلاقة يضمن لها إستمرار التسليح العسكري والتعاطي السياسي مع الولايات المتحدة الأمريكية حيث يوجد في الكونجرس الأمريكي 12% وهي النسبة التي يمثلها اليهود من الحزب الديمقراطي (7) وهي نسبة ليست بالهينة تجاه تركيا لذا تحاول تركيا ان تبقي على تلك العلاقة، وبالتالي فإن توتر العلاقات بين إسرائيل وتركيا من الممكن أن يؤدي إلى تشريعات مضادة ضد تركيا في الكونجرس الأمريكي.ومن ثم فإن العلاقات الثنائية بين البلدين لا تكتمل إلا بالضلع الثالث المتمم لتلك العلاقة “الولايات المتحدة الأمريكية”.

 

خاتمة

تضمن واشنطن تواجدها في المنطقة العربية نتيجة للعلاقة التي تربطتها بثاني أكبر قوة في حلف الناتو على الرغم من الهزات التي تحدث بين الحين والأخر في العلاقات التركية الأمريكية هذا من جانب، فمن جانب أخر تضمن الأولى إستمرارية العلاقات التركية الإسرائيلية الإستراتيجية والإقتصادية نتيجة للعلاقة التي تربتهما ببعضهما من منافع مشتركة.فعندما نتحدث عن العلاقات التركية-الإسرائيلية لا يمكننا إغفال الجانب الاقتصادي والتجاري، ودوره فى تعزيز تلك العلاقة، لاسيما عندما يدور الحديث عن المشروعات العالمية الكبرى المرتبطة بمجال الطاقة بين تركيا وإسرائيل هذا بجانب التعاون فى المجال الأمني والعسكري الذي يعتبر ركيزة أساسية فى العلاقات بين البلدين.

 

 

 

الهوامش

(1) كتاب العلاقات التركية الإسرائيلية، إعداد سمية حوداسي، جامعة بسكرة، ص11 http://thesis.univ-biskra.dz/1214/1/Scien_po_m8_2014.pdf

(2) المصدر نفسه.

(3) كتاب العلاقات التركية الإسرائيلية  “توتر العلاقات بين تركيا وإسرائيل” https://democraticac.de/?p=34162

(4) كتاب العلاقات التركية الإسرائيلية  “المصدر السابق”

http://thesis.univ-biskra.dz/1214/1/Scien_po_m8_2014.pdf

(5) تصريح نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي “تسيفي حوتبلي” https://www.youm7.com/story/2018/5/22/%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D8%A3%D9%82%D9%88%D9%89-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D9%89-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%81-%D8%AE%D8%A7%D8%B5/3804188

(6) اردوغان وإسرائيل ” مقال”

http://acpss.ahram.org.eg/News/16716.aspx

(7) دراسة “العلاقات التركية الإسرائيلية” https://democraticac.de/?p=34162

(8) التركيبة الدينية في الكونجرس الأمريكي https://arabic.cnn.com/world/2015/01/06/pol-religious-survey-us-congress

 

إعداد: محمد نبيل الغريب البنداري.
إشراف: هاني غنيم

عن efsr5 555

شاهد أيضاً

التدخل العسكري الفرنسي في مالي 2013

إعداد: دينا رحومة فارس فايد إشراف: هاني غنيم   الفهرس 2 المقدمة 3 المطلب الاول: ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *