الرئيسية / مقالات / مصر والعودة إلى الجذور الأفريقية … بقلم هاني غنيم

مصر والعودة إلى الجذور الأفريقية … بقلم هاني غنيم

يُعد الاتحاد الأفريقي هو الوعاء التاريخي، الذي سيهب أفريقيا القدرة علي تحقيق التقدم في التعامل مع مشاكلها، وتجاوز صعوباتها، ويمكّنها من التعامل الفعال مع متطلبات عصر العولمة، واللافت أنه تعرض لمشاكل وصعوبات سعت إلى الحول دونه، في ظل خلافات قبلية وعنصرية، ومن هنا فإن هذا الاتحاد يُعتبر عنوان أفريقيا الجديدة ومنبرها، ووسيلتها الحضارية إلى إعادة صياغة حياتها.

وقد جاء الاتحاد الأفريقي ليحل محل منظمة الوحدة الأفريقية -التي كان إنشاؤها أمراً حيوياً للقارة- التي تعرضت لظلم الاستعمار وقسوة الجهل والفقر والمرض، ولهذا كان إنشاء المنظمة بمثابة إعادة الأمل إلى تلك الشعوب، من خلال إقامة نظام تعاوني يستند إلى التضامن والتعاون والمشاركة بالقدر الذي تخول به ظروف تلك الدول وطبيعية العلاقات البينية بينها.

 وأصبحت المنظمة قوة تُظاهر شعوب القارة الأفريقية وحكوماتها، سواء مكافحتها الاستعمار، أو مناهضة التفرقة العنصرية، أو في سعيها إلى إعادة بناء نفسها بالتنمية الاقتصادية في ظل السلام والأمن،  وأيضًا مساندة شعوب أفريقيا نفسها في مواجهة مرحلة ما بعد الاستقلال، ومحاولة التخلص من التبعية.

وتعتبر العلاقة بين مصر وقارتها الأفريقية علاقة قدر ومصير وأخذ وعطاء، وهي علاقة جسدتها الجغرافيا، والتاريخ، والإرادة المشتركة، ووحدة المصير، كما عززتها ودعمتها المصالح المتبادلة بين الشعوب الأفريقية، وكذلك سعي مصر الدائم لتحقيق الأمن والسلام والتقدم والازدهار بين دول قارتها الأفريقية، علاوة على دور نهر النيل وأهميته في الحضارة المصرية.

كما يتجاوز انتماء مصر لمحيطها الأفريقي الأبعاد الجغرافية والديموجرافية والتاريخية التقليدية، حيث يمثل هذا الانتماء عنصراً رئيسياً في تكوين “الهوية” المصرية على مر العصور، وعاملاً محورياً في تشكيل المعالم الثقافية للشخصية المصرية؛ ومن ثم حرصت الدساتير والمواثيق المصرية على الإعلاء من شأن انتماء مصر لأفريقيا، وفي سبيل تحقيق ذلك أكدت ديباجـة دستور 2014على أن “مصر هبة النيل للمصريين، وهبة المصريين للإنسانية”.

ومن هنا يمكن القول أن سياسة مصر الأفريقية هي ترجمة فعلية لأولويات الانتماء لدى الشعب المصري، وبناءً على ذلك تتحرك السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة 30 يونيو 2013 استنادًا إلى عدد من المحددات لتعبر عن إرادة الشعب المصري، حيث عملت على نقل الصورة الحقيقية لما حدث في مصر إلى العالم الخارجي، كما سعت مصر إلى استعادة دورها الفاعل في المنطقة؛ سواء في محيطها الأفريقي أو المتوسطي أو العربي، بالإضافة إلى استعادتها لموقعها على كافة الأصعدة، وذلك تأكيداً على جذورها الأفريقية، فضلاً عن تنشيط دورها دولياً في التعامل مع القضايا العاجلة المرتبطة بالمصالح الوطنية المصرية، وكذلك المرتبطة بأمن واستقرار القارة الأفريقية؛ وهو ما يظهر جليًا في تولي مصر رئاسة الاتحاد الأفريقي عام 2019.

رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي عام 2019 نقلة في علاقتها بالقارة الأفريقية:

 يلزم القول أن الاتحاد على وشك البدء في مرحلة نوعية جديدة في مسيرته؛ تتمثل في رئاسة مصر للاتحاد الأفريقى في عام ٢٠١٩، ومتابعة الرئيس لخطة العمل التي سيقوم القادة الأفارقة خلال قمتهم المقبلة بوضعها، حيث سيتعاون جميع السفراء الأفارقة المعتمدين من أجل تحقيق الأهداف المنشودة للقارة، وذلك بالإضافة إلى انعقاد القمة الخامسة للشراكة العربية الأفريقية برئاسة مشتركة من جانب الرئيس السيسى وخادم الحرمين الشريفين الملك “سلمان بن عبد العزيز” في نوفمبر ٢٠١٩.

وكذلك يُعد تولى مصر رئاسة الاتحاد الأفريقي لعام 2019 نقلة في علاقتها بالقارة الأفريقية من حيث الشكل والمضمون؛ جيث أن مصر هي الدولة الثانية في إقليم شمال أفريقيا التي تتولى رئاسة الاتحاد بعد ليبيا -التي تولت رئاسة الاتحاد عام 2009-، وهو ما يعكس بطبيعة الحال تطور وتزايد التأثير المصري على مستوى المنظمة القارية الأهم، وبصفة خاصة في ظل تفعيل الاهتمام المصري بالمنظمة خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

ونجد أن الاتحاد الأفريقي يواصل مسيرته بثبات نحو بلوغ أهداف استراتيجية المتضمنة في الأجندة ٢٠٦٣، وذلك على الرغم من التحديات التي تواجهه، والمعوقات القوية التي تقف أمام معظم الدول الأعضاء، وبالتطرق إلى دور الاتحاد الأفريقي تجدر الإشارة إلى أهم الإنجازات التي تحققت بالفعل خلال العام الجاري:

  • إطلاق السوق الموحدة الأفريقية للنقل الجوى.
  • التوقيع على اتفاق إنشاء منطقة التبادل الحر.
  • اعتماد حرية انتقال المواطنين عبر دول القارة تمهيداً لاستخراج جواز السفر الأفريقي في عام ٢٠٢٠.

الحلول المقترحة من قبل مصر:

بالرغم من تلك الجهود والإنجازات إلا أن القارة لاتزال تواجه تحديات جمة من بينها الفساد الذي ينخر جسد الاقتصاديات الأفريقية وهو أهم المعوقات أمام التنمية، وكذلك ملف الإرهاب الذي يُعد من أهم الملفات التي تشغل الاتحاد الأفريقي.

وهو ما سيضع على عاتق مصر ليس فقط المساهمة في تطوير الاتحاد على المستوى التنظيمي والمؤسسي، ولكن أيضا طرح مبادرات وفعاليات جديدة فيما يتعلق بزيادة وزن الاتحاد على المستويين القاري والدولي، ومن الضروري والهام أن تشمل تلك المبادرات مستويين؛ الأول يرتبط بالقوة الصلبة، والآخر يتعلق بالآليات الناعمة.

فعلى صعيد المستوى المتعلق بالقوة الصلبة؛ لابد من تفعيل المبادرات المتعلقة بالقدرات العسكرية المستقلة للاتحاد الأفريقي، ومحاولة تطويرها، وهو ما يمثل عملاً مفتاحياً في تطوير الاتحاد الذي كثيراً ما يقف عاجزاً عن التدخل في حل الصراعات المسلحة المتأججة في القارة.

وتقدم مصر حاليًا برامج تدريبية عسكرية عامة وفرق خاصة لمحاربة الإرهاب لمعظم دول أفريقيا، ولكن ربما يكون ذلك الدور غير كافي للقضاء على الإرهاب في القارة وهو ما يتطلب بالإضافة إليه نوعاً من التنسيق مع كل من الجزائر والمغرب على الرغم من ما يوجد من مشكلات في العلاقات الثنائية بينهما، وربما قد يؤدي نجاح هذا التنسيق إلى تجاوز المشكلات الثنائية بيهم، وذلك نظرًا للتواجد الجزائري القوي في أجهزة الاتحاد الأفريقي، وكذلك النجاح المغربي البارز في نسج علاقات متميزة مع أفريقيا على مدى العقد الأخير.

بينما على صعيد المستوى المتعلق بالآليات الناعمة؛ فإن التحرك المصري المنظم والسريع نحو دمج القارة الأفريقية ككيان واحد، قد تحول إلى اهتمام مصري أساسي في المرحلة القادمة، وذلك بدلاً من حالة التقسيم التي أسسها الغرب بين دول شمال ودول جنوب الصحراء الكبرى، وهو ما يبرز بوضوح في اهتمام القيادة السياسية في مصر بالشأن الأفريقي.

أما في إطار تحقيق التنمية، فيلزم أن تقود مصر مجهوداً هائلاً لطرح مبادرات ذات طابع جديد لتحقيق التعاون القاري على المستوى الاقتصادي والتجاري، خاصة أن أجندة الاتحاد الأفريقي وضعت خارطة عامة (خطة 13- 2063) اعتبرت أن أهم  آليات  التعاون الأفريقي هي مجال البنية التحتية المشتركة، وهو ما يحتاج تمويلاً ضخماً ولعل إحياء طريق “دارو- تمبكتو” يكون جائزا التفكير فيه الآن.

وكذلك يتوجب الاهتمام الفعال ببلورة خطاب مصري يضع أفريقيا في قلب عمليتي الإعلام والتعليم، بما يحقق زيادة إدراك المواطن المصري بهويته الأفريقية، ويلزم القول أن هذا المجهود الخارجي والداخلي إزاء أفريقيا يتطلب استحداث كيان يطرح أدوات جديدة للعمل غير الرسمي، إلى جانب الجهود الدبلوماسية المصرية الفعالة بالقارة.

تطلعات دول العالم نحو القارة وعلى رأسهم دولة الصين:

يظهر جليًا إيمان العالم بمستقبل أفضل لأفريقيا في توجهات وتطلعات قادة العالم التي انصبت مؤخرًا نحو الاهتمام بالقارة والاستثمار فيها وخير مثال على ذلك توجه سياسة الصين الخارجية في الآونة الأخيرة نحو أفريقيا.

فقد قال الرئيس الصينى “شى جين بينج” خلال رابع زيارة له لقارة إفريقيا فى يوليو الماضى “في كل مرة أزور فيها أفريقيا أرى حيوية القارة وطموح شعوبها من أجل التنمية”، مؤكدًا أن الجانبين الصينى والأفريقى شريكان مخلصان على طريقهما للتنمية وأن التنمية فى الصين ستحقق المزيد من الفرص.

فمن خلال الجمع بين مبادرة الحزام والطريق وبين أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 وأجندة الاتحاد الأفريقى 2063 وخطط التنمية الوطنية للدول الأفريقية، سيخلق ذلك أرضيات جديدة للتعاون الذى من المتوقع أن يدفعه أيضًا تولى مصر للرئاسة الدورية للاتحاد الإفريقى عام 2019 فى ضوء علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

كما لعبت القارة الإفريقية أيضًا دورًا رئيسيًا لإعادة مقعد الصين إليها في الأمم المتحدة، فالصين قدّرت الدور المصري والإفريقي من خلال توطيد علاقتهم الاقتصادية، ثم جاءت بينهم مصالح في مجال المواد الخام وخاصة البترول.

وختاماً؛ لابد من التأكيد على أن الشعوب الأفريقية تمتلك العديد من الإمكانات والثروات التى يمكن أن تسهم فى دفع عجلة التنمية فى المستقبل القريب ولكن ذلك إذا أُحسن تنظيمها واستغلالها على الوجه الأمثل وهو ما يحتاج من القادة الأفارقة تهيئة الرأى العام لديهم لتقبل هذه المفاهيم اجتماعياً وسياسياً، كما يجب على القيادة السياسية فى مصر أن تتأهب لكل الاحتمالات القادمة، وكذلك متابعة كل ما يستجد من أحداث على الساحة الأفريقية.

 

 

تحيا مصر .. تحيا مصر .. تحيا مصر

بقلم/ هاني غنيم

القاهرة: 9/1/2019

عن efsr5 555

شاهد أيضاً

مصر وروسيا شركاء الاستقرار والتقدم … بقلم هاني غنيم

على صعيد مزيد من التعاون وتحسين العلاقات بين مصر وروسيا، تأتي زيارة الرئيس “السيسي” لروسيا، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *