الرئيسية / ابحاث ودراسات / تفسيرًا للفقر…

تفسيرًا للفقر…

إذا نظرنا إلى الفقر من منظور نظري نجد أن هناك منظوريين رئيسيين تطرحهما أدبيات التنمية، الأول هو المنظور الوظيفي؛ المتمثل في التدرج الاجتماعي عند “ماكس فيبر” والنسق القيمي عند “تالكوت بارسونز” وثقافة الفقر عند “أوسكار لويس”، والثاني هو المنظور الماركسي الراديكالي عند “كارل ماركس” الذي يُرجع الفقر إلى حتمية مسار الاقتصاد الرأسمالي ويُبرز الصراع بين الطبقات كصراع دائم دائمًا ما ينتهي بإعادة بناء المجتمع بأكمله.

  • المنظور الوظيفي

يُرجع هذا المنظور أسباب الفقر إلى السمات الذاتية للفرد، فالفرد فقير لأنه عاجز عن الاستفادة من الفرص التي يتيحها له المجتمع، حتى أن الوظيفيين لم يُوردوا لفظ “الفقر” صراحة في كتاباتهم باعتباره مسئولية فردية، ليس للدولة دور فيه.

وبذلك اعتبرت الحكومة الليبرالية الفقراء مسئولين عن فقرهم، وعن ما مستوى معيشة الفرد، وبالتالي فإن مواجهة الفقر لدى الوظيفيين ليست وظيفة الدولة ولكنها نابعة من وعي أخلاقي ذاتي لدى الفرد.

ومن أبرز أصحاب الاتجاه الوظيفي هما:

  • التدرج الاجتماعي “ماكس فيبر”

قسم فيبر المجتمع إلى مجموعة من الطبقات، يميز بين كل منها مجموعة من الخصائص الثقافية والاقتصادية، حيث تتسم العلاقات فيما بينها بالطابع التنافسي وليس الصراعي، ويختل الهيكل الاجتماعي عند محاولة أفراد الطبقة الدنيا تبني قيم الطبقة العليا، أما محددات المكانة في أي مجتمع ترتبط بدرجة رشادة الفرد في تحقيق الإنجاز.

وفي ذلك السياق يتناول “فيبر” ثلاث طبقات:

  • أ‌- الطبقة ذات الحظوة والثروة: ويحتكر أعضاؤها السلع الاقتصادية، ويمتلكون وسائل الدخل كالثروات والأموال وحتى وسائل التعليم.
  • ب‌- الطبقة الوسطي: وهي الجماعة التي لديها كل مقومات الثروة ولكن ليس بالضرورة تمتلكها ولديها كذلك قدرات التدريب.
  • ت‌- الطبقة الأقل ثروة: وهم العبيد والبروليتاريا الكادحة.

وتكون إمكانيات الصراع كامنة في الطبقة الوسطى ولكنها لا تهدف لإحداث تغيرات راديكالية في النظام الاقتصادي بل على العكس فالصراع عند الوظيفيين مآلُه إعادة توزيع الثروة داخل نفس هذا النظام.

  1. النسق القيمي “تالكوت بارسونز”

يكفل مفهوم النسق القيمي عند بارسونز بقاء أي مجتمع، فأي مجتمع يتسم بالوحدة والتراضي على مجموعة من القيم الأساسية (علاقات تعاونية).

ولا يهدد الفقراء المجتمع الحضري بل يتكاملون معه اقتصاديًا واجتماعيًا؛ فهم على المستوى السياسي غير مبالين بالأمور السياسية، وكل ما يحاولونه هو تعظيم الفائدة من النظام القائم فقط دون الاهتمام بالتورط في صراعات أيديولوجية، فهم يتبنون الفلسفة البراجماتية (العملية) ولا ينضمون إلى المنظمات الراديكالية، بالإضافة إلى أن انحيازاتهم التصويتية تحكمها اعتبارات براجماتية وليست اعتبارات أيديولوجية وبالتالي يسهل حشدهم لصالح طرف معين.

ولا يتوقع الفقراء الكثير من حكوماتهم، وبالتالي فهم يخلقون فرصًا اقتصادية ليتعايشوا بها في هذا المجتمع، ولا يثوروا لأنهم لن يغيروا وضعهم، فهم يحملون منظومة قيمية محافظة عن القيادة تتمثل في كون القائد هو “الأب الروحي” للشعب ولا يجوز معارضته.

  • المنظور الماركسي

يُرجع الماركسيون الفقر واللامساواة داخل المجتمع إلى حتمية المسار الطبيعي للاقتصاد الرأسمالي، فالبطالة والفقر والحرمان مفردات حتمية للنمو الاقتصادي غير المتكافئ؛ حيث اعتبر ماركس الدولة أداة في يد الطبقة الرأسمالية التي تعكس تفضيلاتها وتزيد الفقراء بؤساً.

فالأحرار والعبيد، النبلاء والعامة …، دائماً ما كانوا في تعارض دائم وصراع مستمر سواء كان ظاهريًا أم مستترًا، والصراع بين تلك الطبقات دائمًا ما ينتهي بإعادة بناء المجتمع بأكمله على أساس ثوري أو بانهيار الطبقتين المتصارعتين معاً.

وبتتبع المنظور الرديكالي للتطورات التي طرأت على المجتمعات النامية في العالم الثالث، يشير إلى أن تعاظم دور المؤسسات الاحتكارية المملوكة لكبار الرأسماليين أو الشركات الكبرى أو الدولة فرضت أنماطاً تكنولوجية على مجتمعات تسودها الأساليب التقليدية في الإنتاج.

نتج عن عدم التكافؤ بين هذه الأنماط تهميش فئتين هما:

  • البرجوازية الهامشية (صغار أصحاب الحرف وغير القادرين على منافسة الرأسمالية).
  • البروليتاريا الرثة (مهاجري الريف والعاملون بالأعمال المتدنية).

كلاً من هاتين الفئتين لا تتوافر لهما إمكانات الثورة وإنما يستجيبون للسياسة البراجماتية والتعايش مع الوضع القائم.

الجدير بالذكر أن “ماركس” لم ير البروليتاريا الرثة جماعة ثورية، فالبرغم من سهولة تعبئتهم إلا أن هذه التعبئة ناجمة من طبيعتهم البراجماتية وليست الأيديولوجية، فهم غير قادرين على تطوير مفهوم الوعي وبذلك تتضاءل فرص الثورة.

وفي النهاية، فالاتجاهات الراديكالية تتزايد بين أبناء الجيل الثاني الأكثر وعيًا والأكثر إحباطًا –وفقًا للماركسية-، فالجيل الأول مازال ذا مرجعية ريفية، تحكمه التقاليد العرفية والسلبية السياسية، لكن الجيل الثاني -مع استيعابه لقيم ونمط الحياة في المدينة ومع تضاؤل فرصته في الحراك نحو الطبقة العليا الذي يعايش نماذج لحياتها يوميًا- يصبح أكثر راديكالية.

أما الاتجاهات الوظيفية فهي لا تُحمل الدولة أي مسئولية تجاه الفقراء، فالفقير فقير طبقًا لمجموعة السمات الشخصية الخاصة به، وبالتالي فهو غير قادر على استغلال الفرص التي تتيحُها له الدولة، كما أنه يتكامل مع النظم اقتصاديًا وسياسيًا دون وجود أي توجهات راديكالية تعمل على التغيير من وضعه الحالي.

 ولكننا نجد أن كثير من الفقراء لا تُتاح لهم فرصًا اقتصاديةكبيرة تغير من وضعهم الحالي وتُحسن من مستوى معيشتهم، كما أن رؤية الفقراء للحاكم على أنه “الأب الروحي” ناتج عن قيمة مجتمعية سائدة في البيئة التي نشأ فيها ذلك الفرد وبالتالي فإن وجود الفقراء على ذلك الوضع ناتج عن تنشئتهم الاجتماعية والسياسية التي لم تسهم فيها الدولة بأي تطوير أو تغيير حفاظًا على استقرار تلك الطبقات وحفاظًا على ذلك الوجود الطبقي القائم في المجتمع، ولذلك فمن المستحيل أن نحزم تمامًا بأن الدولة غير مسئولة تجاه الفقراء وتجاه وضعهم المتأزم، فبداية حل أي أزمة تتأتى من الإدراك الحقيقي لأسباب المشكلة وبالتالي القدرة على مواجهتها.

والآن …كيف تنظر للفقر؟!

إعداد:

إبراهيــم حســـن سعـــدون

إشراف:

هاني غنيم

 

عن efsr egyot

شاهد أيضاً

الطموح الصيني في الشرق الأوسط

أعلن النمو الاقتصادي للصين في الثمانينات والتسعينيات عن ظهورها كقوة عظمى في السياسة الدولية، ومع ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *