الرئيسية / #أدعم_الرئيس / بين صراع الحضارات وتلاقيها…مقال للدكتور صلاح الدين محمد

بين صراع الحضارات وتلاقيها…مقال للدكتور صلاح الدين محمد

في الكتاب الأشهر لصاموئيل هانتنجتون المُسمى بصراع الحضارات يخلص الكاتب إلى مفهوم أصبح موضعا للبحث والتحليل والتدقيق بل ولإدارة الأحداث العالمية في اتجاه تحقيقه وهو صراع الحضارات، وبناءاً على ما توصل إليه هانتنجتون أصبح العالم يعيش ويعتاش على فكرة الصراع الحتمي بين الحضارات ومن أجل هذا شُحذت الهمم بين حضارات العالم المختلفة للبقاء على قيد الحياة في عالم سيق إلى الصراع وساعد في ذلك وجود قوى من أصحاب المصالح لتأجيج فكرة الصراع وأن الإنسان لايستطع العيش من دونه، ولهذا أصبحت القوى العظمى تتعامل مع ما دونها من قوى على أنها إما قوى تابعة تدور في أفلاكها وإما قوى هزيلة لاحول لها ولاقوة واستنزافها جزء من بقاء كلاهما. إذا هي نظرية تخضع من حيث المبدأ للبحث والتدقيق والتحليل لإثبات صحتها من عدمه، ولكن حين تتحرك النظرية قسراً في محيط تنفيذها وبدعم من قوى عظمى، فنحن أمام نظرية غير خاضعة لعوامل اثبات حقيقتها بل تُساق النظرية لتبقى واقعاً، وهذا ما دأب عليه العالم في العقود الأخير وخاصة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية وبعد أن خلى وجه أبينا لتلك القوى فبدت تفعل بالعالم ما تشاء بداية من عضوية مجلس الأمن الدائمة، مروراً بتحالفات استعمارية متتالية على مناطق ضعيفة أو مستضعفة أو متواطئة أو تابعة، وكل هذا يصب في مصالح حفنة من الدول على حساب سائر بلاد العالم.

استقر الفكر الجمعي للعالم على هذا الإتجاه من الصراع، صراع الحضارات، وصارت قوى العالم المتباعدة الأطراف تتعامل معه على أنه واقع مرير فرض نفسه على اليابسة وعلى الجميع التعامل معه ولو فقط من أجل البقاء،حتى صارت كلمة البقاء نسبية، أهو بقاء كيانات ودول، أم بقاء ثلة من المنتفعين من حكام وحكومات بعد أن أصبح مفهوم المواطنة والوطن والحدود والموارد الطبيعية أمور يُؤخذ منها ويُرد وليست ثوابت شبه مطلقة تحافظ على هوية الدول وثقافاتها وحضاراتها وحدودها الجغرافية. في مصر تبنى المؤتمر الأول لشباب العالم الذي عقد من الرابع إلى العاشر من شهر نوفمبر لهذا العام (2017) الخروج بمفهوم يصحح للعالم مفهوم الحضارات أولاً، ومن ثم دورها في إثراء الموروث الإنساني وكيفية تأثر الشعوب بها وخاصة فيما يتعلق بالتراث والتاريخ وتراكم كلاهما لتكوين حضارة مُوثقة من بين حضارات العالم المختلفة. استطاع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في آية قرآنية غابت عن العالم وأدركها الرجل ليعلن للعالم أجمع من خلال شبابه أن الحضارات لم تُخلق بهدف التصارع، بل بهدف التلاقي، وبهذا يسحب البساط من تحت أقدام العالم وصاحب نظريه صراع الحضارات ليضعه أمام مسؤوليات ومعايير تختلف تماماً عما يدور العالم في فلكه. “..وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم” لقد تبنى العالم المادي الذي يديره ثُلة من أشراره نظرية صراع الحضارات على أنها من المسلمات، ولهانتنجتون في نظريته وجاهة، فالعالم منذ آدم قد جُبل على الصراع حتى القتل إلى يومنا هذا، وما ذكر هانتنجتون في كتابه هو خير مثال للواقع على الأرض في الماضي والحاضر ونبوءة للمستقبل، وبالفعل أضحت الدول التي لها بعداً حضارياً واحداً أو متقارباً أو تجمعها عادات وتقاليد ولغة وثقافة مشتركة أو شبه مشتركة تتكتل لمواجهة الآخر المُختلف، ومثال على ذلك دول أوروبا التي تتلاقى حضارياً ولو في أضيق نطاق، وكما هو الحال بين دول جنوب شرق آسيا التي تجتمع حضارياً في الجنس والعرق ولو بنسبة ما إلا أنها ثقافياً وحضارياً تتلاقي في الكثير من العوامل، وكما هو الحال بين دول أمريكا اللاتينية والغائب الأوحد في هذه المعادلة هو الكتلة العربية التي تُصنف على أنها بؤرة الصراع العالمي نظراً لتخلفها عن ركب المنافسة واكتفائها بذكرى حضارات ولت.

استطاع الرئيس السيسي من خلال المؤتمر الأول العالمي للشباب أن يطرح طرحاً ربما حاول البعض الخوض فيه دون نتائج حقيقية على الأرض وهو فكرة تلاقي الحضارات، وعايشنا مؤتمرات فيما يخص تلاقي الحضارات وحوار الأديان وما شابه وكان الحضور في تلك المؤتمرات من رجال متخصصون في تاريخ الحضارات أو رجال دين من جميع الملل والنحل لكنهم جميعها يوماً لم يرتقوا إلى التطبيق الفعلي على أرض الواقع، فتاهت توصياتهم بين الأمم ومن ثم كانت مجرد ملتقى أطراف مختلفة خرجوا جميعا منها كما دخلوها. الجديد الذي قدمه الرئيس السيسي أنه دعى من خلال مؤتمر شرم الشيخ شريحة غاية في الأهمية من شعوب العالم وهي شريحة الشباب ليشهدهم على ساساتهم وصناع القرار في بلدانهم أن فكرة صراع الحضارات هي من صنع الإنسان ذاته بما يخالف كل شرائعه وجل نحله وملله.

استطاع الرئيس السيسي أن يرسِّخ مفهوم تلاقي الحضارات في آية من آيات القرءان الكريم ووصل مفهومها لكافة شباب العالم في أسلوب دعوي راق ربط فيه بين السماء والأرض وبلغ الرسالة من خلال آية ربما غابت عن الكثير من دعاة اليوم.

تبقى نقطة أخيرة وهي أن هذا المؤتمر يُعد شهادة ميلاد جديدة لدولة بمكان ومكانة مصر بين شباب العالم بغض النظر عن محيطها المتأجج بالصراعات بين دول اكتظت بعلماء مسلمين لاحصر ولاعدد لهم ولكنهم يوماً لم يقدموا رسالة الإسلام كما قدمها الرئيس السيسي في آية.

د. صلاح الدين محمد

عضو الهيئة الإستشارية،

المركز المصري للدراسات والأبحاث الإستراتيجية.

عن efsr5 555

شاهد أيضاً

مصر والعودة إلى الجذور الأفريقية … بقلم هاني غنيم

يُعد الاتحاد الأفريقي هو الوعاء التاريخي، الذي سيهب أفريقيا القدرة علي تحقيق التقدم في التعامل ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *