الرئيسية / ابحاث ودراسات / الطموح الصيني في الشرق الأوسط

الطموح الصيني في الشرق الأوسط

أعلن النمو الاقتصادي للصين في الثمانينات والتسعينيات عن ظهورها كقوة عظمى في السياسة الدولية، ومع اتساع

اقتصادها بوتيرة سريعة تكاد تقترب من حافة الأساطير الدولية، وهو تقدم على كافة الأصعدة التكنولوجية منها والعسكرية، إلى أن أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وفي غضون ذلك شرعت الصين في تبني مواقف و سياسات أكثر تأثيراً على مستوى العالم، ويبدو أن ظهورها للعالم كقوة اقتصادية صاعدة بدأ يأخذ مسارات على غير العادة في الاستراتيجية الصينية، وسعياً منها للحد من اعتمادها المباشر في تصدير منتجاتها عبر ممرات ومضايق مائية تسيطر عليها البحرية الأمريكية، مما قد يُشكل تهديداً للاقتصاد الصيني مستقبلاً في حال توتر علاقاته مع عدوه اللدود الولايات المتحدة الأمريكية.

وهنا ظهرت خطوة جديدة أقبلت عليها الصين حينما أعلن الرئيس الصيني “شي جين بينغ” عن مبادرة “حزام واحد طريق واحد”، وتهدف المبادرة إلى ربط بلدان العالم بالصين من خلال طرق برىة وبحرية وذلك لوصول منتجاتها زهيدة الثمن لكل من يسكنون في هذا الكوكب.

وتعتبر المبادرة الصينية بمثابة الهجوم الاقتصادي الناعم الذي يحمل في طياته مخاوف جما للقوة العالمية، سعياً منها للحد من النفوذ الصيني المتزايد يوماً بعد يوم، فها هي الصين أعلنت مبادرتها، وبدأت تظهر ملامح مشروعها على مجتمعنا الدولي شيئاً فشيء.

ولكن هل ستنجح الصين في تسويق مشروعها في البلاد المستهدفة؟ أم أن الامر سيتطلب من الصين تغيير سياساتها، وتحسين علاقاتها خاصةً مع دول الجوار، وإعادة هيكلة مواقفها الدولية تجاة قضايا هذا العالم، ولاشك أن عالمنا العربي والشرق الأوسط جزءاً منها.

ومن هنا تظهر مجموعة من التساؤلات المحورية التي سرعان ما تتبادر في ذهن الباحث، ويأتي على رأسها؛ أستتمكن الصين من إطلاق أجندة مشروعها في الشرق الأوسط بالرغم من تزايد النفوذ الأمريكي هناك؟، وهل سيستطيع التنين الصيني من إطلاق لهائب مشروعه هناك وسط كل هذه التحديات؟

حلم قديم:

لم يكن الرئيس الصيني “شي جين بينج” أول من أطلق هذة المبادرة، فلقد سبقه رئيس الوزراء الأسبق “لي يونغ” منذ عشرة أعوام خلال جولته في دول آسيا الوسطى عام 1994، فقد كانت الهند أيضاً قد طرحت فكرة تشبه فكرة الصين إلى حد كبير، وذلك في عام 2002 تحت اسم ممر مواصلات شمال جنوب؛ ويعمل هذا المشروع على ربط الهند بروسيا عبر إيران والقوقاز.

 لكن الرؤية الأكثر تأييداً في الأوساط الصينية كانت رؤية “شو شاند او” نائب رئيس الهيئة الوطنية العامة للضرائب الصينية؛ التي قدمها لغرفة التجاره الصينية تحت عنوان “خطة المارشال الصينية”، مستشهداً بمبادرة وزير الخارجية الأمريكي “جورج مارشال” حينما قدم للدول الأوروبية خططاً تنموية بهدف مساعدتها لتجاوز آثار الحرب العالمية الثانية من جهة، ولإنتشالها من الفكر الشيوعي من جهة أخرى.

وجاءت مبادرة “شو” كرد فعل للأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008،حيث تقوم الفكرة على استخدام الاحتياطي الصيني من العملة لمنح قروض إلى الدول النامية؛ لاستخدامها لبناء مشاريع تُقدِم على تنفيذها شركات صينية عملاقة، وسرعان ما لقت فكرة “شو”رواجاً لدى كبار رجال الدولة الصينية، وجرى تطوير الفكرة إلى أن انتهى بنا المطاف إلى مبادرة “الحزام والطريق”.

أهداف المبادرة الصينية:

منذ أكثر من 3000 عام كان طريق الحرير هو الرابط بين الصين والعالم الخارجي، وهو عبارة عن طريق بري وبحري، الهدف منه توزيع المنتجات الأولية الصينية علي العالم، كالبخور والعطور والتوابل والعاج وغيرها الكثير، فضلاً عن التبادل الثقافي والحضاري.

وتقوم مبادرة الرئيس الصيني على ميثاق الأمم المتحدة، والمبادئ الخمس للتعايش السلمي، كالاحترام المتبادل والسيادة الوطنية وسلامة الأراضي وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول والمنفعة الاقتصادية المتبادلة، فضلاً عن الهدف الآخر التي تسعى له الصين ألا وهو إقامة تكتلات اقتصادية؛ رغبةً منها في تحسين اقتصادها وتأثيره في أكبر عدد ممكن من الدول.

وتتضمن المبادرة أيضاً نحو 1000 مشروعاً سيتم تنفيذهم تدريجياً، ومن خلالهم سيتم ربط قارة آسيا وأفريقيا وأوروبا بطرق عملاقة، وكذلك إنشاء مطارات وموانئ ومناطق تجارة حرة، إلى جانب مشاريع البنية التحتية.

عقبات في طريق الصين – الشرق الأوسط:

بعد أن أصبحت الصين قوة دولية كبيرة، فإن الهجوم الاقتصادي الناعم الذي تنشئه عبر مشروعها الاقتصادي الضخم يثير “فزاعة” القوة الإقليمية الكبرى، ويحمل تحت أجنحته مخاوف سياسية وأمنية للقوى الكبرى في العالم.

ومن خلال ظهور المشروع إلى العالم بدا لنا جميعاً أنه يستهدف منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، وذلك باعتباره مصدراً مهماً من مصادر الطاقة، وواحداً من ضمن الأسواق الاستهلاكية الكبرى للبضائع الصينية.

لكننا نجد أن ما يعاني منه الشرق الأوسط من صراعات ونزاعات، فضلاَ عن النفوذ الأمريكي المتزايد يبقي التحدي كبيراَ أمام المبادرة الصينية في ظل سياسة التأني بالنفس وعدم الانخراط في المشهد السياسي التي تتبعها الصين في منطقة الشرق الوسط.

وتُعد ظاهرة الإرهاب الدولي من أكبر التحديات التي تواجه الصين في منطقة الشرق الأوسط، وذلك بإعتبار الشرق الأوسط أحد المفاصل الهامة في المبادرة الصينية، مما يهدد جوهر المبادرة المتمثل في خطوط الأنابيب والغاز والسكك الحديدية والخطوط البحرية، وهو ما قد يُكلف الصين العديد من الاستثمارات لجعل مشروعها واقعاً ملموساً.

وعلى الصعيد الآخر فإن الصراع بين إيران والسعودية من جهة وإيران وتركيا من جهة أخرى سيؤدي إلى عدم الاستقرار بالمنطقة فضلاً عن الصراع العربي الإسرائيلي، وتمثل هذة الخلافات عقبات لدى الصين، إلا أنها تحاول تجاوز تلك العقبات.

وتُقدر الصين أن البُنى التحتية لبعض دول المنطقة لا تزال ضعيفة وقد لا تفي بالغرض، بالإضافة إلى وجود دول ذات نظم سياسية معقدة، مثل العراك السياسي التي تشهده الدولة الليبية، وغياب المؤسسات فيها، والحرب التي تخوضها سوريا ضد الإرهاب.

وبالطبع لا يُخفى على الصين الدول التي استطاعت تجاوز أزمتها السياسية في فترة العصف الثوري التي مرت به منطقتنا العربية، إذ بدأت هذة الدول في تبني استراتيجية تنموية فعالة من شأنها خدمة مشروع الصين الكبير. 

تغير الاستراتيجية الصينية الشرق أوسطية:

بالنظر إلى الفرص والتحديات في المشروع الصيني الضخم، فمن المتوقع تغيرٌ حتمي في الخطط الصينية تجاه ما يخص الشرق الأوسط، وفي سياق ذلك فمن المتوقع أن تتخذ الصين العديد من السياسات الاقتصادية والسياسية للعب دور أكثر حسماً في الشرق الأوسط.

أولاً: ستحرص الصين على اتخاذ خطوات أكثر تواصلاً، وبناء مشاريع تنموية واستراتيجية من شأنها أن تخدم “حزامها-طريقها”، وبناءً على ذلك فقد قررت الصين ومصر بناء حزام وطريق لخطة التنشيط المصرية، حيث قام الجانبان بإنشاء منطقة السويس للتعاون الاقصادي والتجاري في مصر باعتبارها مشروعاً رمزياً وحصاداً مبكراً  لمشروع الحزام والطريق.

وعلى غرار منطقه التعاون الاقتصادي والتجاري في مصر، فإن المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ودول أخرى، تبحث مع الصين سُبل تطوير التعاون في مجال تأسيس أقطاب صناعية، وكانت الصين قد ناقشت الآفاق التي تحملها رؤية المملكة العربية السعودية2030 ورؤية الأردن 2025 وعلاقتهما بمشروع الحزام والطريق.

ثانياً: ستلعب الصين دوراً فعالاً في حل القضايا العالقة في منطقة الشرق الأوسط مع القوى الأخرى، وأكبر مثال على ذلك مفاوضات”5+1″ الخاصة بمفاوضات البرنامج النووي الإيراني، كما عينت الصين مبعوثاً خاصا لها في سوريا للعب دور الوسط.

ثالثاً: ستتخذ الصين عدداً من الإجراءات التي من شأنها أن تعزز الاستقرار الأمني و الاقتصادي لدول المنطقة وتحاول الصين جاهدة في زيادة اسثتماراتها وتبادلاتها التجارية مع دول المنطقة، خاصةً أن الصين تعول كثيراً علي نفط وغاز هذة المنطقة، وقد استثمرت الصين 15 مليار دولار في شكل قرض خاص لدفع التصنيع في الشرق الأوسط، وأنشأت صناديق استثمار مشتركة بقيمة إجمالية بلغت 20 مليار دولار مع دولتي الإمارات العربية المتحدة وقطر، أضف إلى ذلك المشروعات المشتركة في مجالات الطاقة النووية النظيفة وتصنيع الأقمار الصناعية وتبادل الخبرات الفنية  والثقافات.

رابعاً: ستعمل الصين جاهدة من أجل إيجاد دوراً وآلية طويلة ومتوسطة الأجل من أجل إقامة علاقات اقتصادية جادة مع دول الشرق الأوسط، وستواصل دعم منتدى التعاون العربي الصيني من أجل ترسيخ ظهيراً دولياً لمشروعها، ولن تدخر جهداً لتدخلها في قضايا الإقليم، فقد أصبح تدخلها حتمي وجزءاً من استراتيجيتها المستقبلية، وأصبح إعمام السلام في المنطقة أمراً تسعي إليه بسبلٍ عدة.

وأخيراً ستتخذ الصين كافة السُبل والرؤى الخاصة بمشروعها الضخم وستدعم استثماراتها الخارجية في الشرق الأوسط، وستعمل بما يكفي لاحتواء تلك المنطقة ولعب دوراً أكبر في تحقيق الاستقرار لشعوبها، وذلك لأن هذا المشروع يأتي على رأس أولويات الصين من أجل التنمية العالمية في المستقبل، وعلى خلفية تراجع العولمة الاقتصادية وميل القوى الإقليمية للتكتلات الاقتصادية، كما تهدف المبادرة الصينية إلى تحقيق التنسيق بين مختلف السياسات الاقتصادية، والعمل في إطار تعاون إقليمي أوسع وبمعايير أعلي وأكثر عُمقاً.

 

إعداد:

فيولا عزب

إبراهيم رزق

 إشراف:

هاني غنيم

 

عن efsr egyot

شاهد أيضاً

الاندماج الوطني في غانا

إعداد/  منار شوقي أحمد محمد إسماعيل إشراف/ هاني غنيم   تقع دولة غانا على الساحل ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *