الرئيسية / ابحاث ودراسات / الصين تُعمق من أزمة “بحر الصين الجنوبي” بإنشاء منصة عسكرية جديدة

الصين تُعمق من أزمة “بحر الصين الجنوبي” بإنشاء منصة عسكرية جديدة

في يوليو الماضي أصدرت محكمة التحكيم الدولي قرارًا تُبطل به ادعاء الصين بحقوقها في بحر الصين الجنوبي، واصفةً القرار بأن “ادعاءات أي دولة بحقوقها التاريخية في بحر الصين الجنوبي ليس له أي أساس قانوني”، وردّت الصين برفض هذا القرار بل وتستمر في تعميق الخلافات مع جيرانها بإنشاء قاعدة عسكرية جديدة وجاء ذلك في تقرير “مبادرة الشفافية البحرية لآسيا” بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ويذكر أن الصين أنشأت هذه القاعدة الجديدة في جزر باراسيل المتنازع عليها ويتوقع تقرير “مبادرة الشفافية” بأن مثل تلك المنصات العسكرية سوف يزداد عددها في المستقبل القريب، وعليه سوف نفتح أزمة بحر الصين الجنوبي لتناولها بالوصف والتحليل.

ما هي أزمة بحر الصين الجنوبي؟

بحر الصين الجنوبي هو بحر متفرع من المحيط الهندي تزيد مساحته عن 3 مليون كم2، وتعود أهميته لأنه يربط عالم الشرق الأقصى بمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا من خلال المحيط الهندي، كما تُقدر كميات البترول المارة به سنويًا ثلاثة أضعاف تلك المارة في قناة السويس، وتمر عبره تجارة بحرية يبلغ حجمها خمسة تريليونات دولار سنويًا، بالإضافة إلى الاحتياطي الضخم من النفط والغاز الطبيعي في باطنه، وتتمثل أطراف الازمة على وجه التحديد في (الصين وفيتنام والفلبين وتايوان وماليزيا وبروناي)، كما تجدر الإشارة هنا بأن الحكم القضائي الأخير الصادر في يوليو الماضي حول تلك الأزمة كان بين الفلبين والصين.

وتدور الخلافات القائمة في تلك المنطقة حول التنافس على سيادة مياه البحر والجزر الواقعة به ومنهم جزيريتي باراسيل وسبراتلي؛ وهما عبارة عن سلاسل من الجزر تدّعي أطراف الأزمة السيادة عليها، فبحر الصين الجنوبي يُعد ممر ملاحي حيوي، بالإضافة إلى الرغبة في الاستحواذ على موارد هذا البحر من شُعب مرجانية ومواد نفطية، ولاسيما الثروة السمكية الهائلة به.

  • الادعاءات حول السيادة

أولًا الصين؛ باعتبار أن الصين هي أكبر وأقوى طرف في الأزمة فتُعد ادعاءاتها هي الأكثر تداولُا، فتدّعي الصين السيادة على منطقة تُسمي بـــــ”خط الخطوط التسع” وهي منطقة واقعة في أقصى جنوب بحر الصين الجنوبي، فتقول بكين “بأن هذا البحر جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية بما فيه من السلاسل الطبيعية من جزر الباراسيل وسبراتلي”، ويجب التنبيه هنا بأن “تايوان” _التي تعتبرها الجمهورية الصينية إقليمًا متمردًا_ هي الأخرى تقول نفس الادعاء بالسيادة حول تلك الجزر، وهناك رأي يدحض ادعاءات الصين فتقول بأن الخرائط الصينية التي تشمل على منطقة “خط الخطوط التسع” لا يوجد بها أي إحداثيات تُثبت صحة ادعاءات الصين.

ثانيًا فيتنام؛ تتبنى جمهورية فيتنام ادعاء يلغي الحق التاريخي الذي تتبناه الجهورية الصينية، فتؤكد بأنها تحكم جزيرتي باراسيل وسبراتلي منذ أواخر القرن السادس عشر الميلادي، وتشير بأن لديها الوثائق التي تثبت صحة هذا الادعاء.

ثالثًا الفلبين؛ تعتمد الفلبين على الجوار الجغرافي المتقارب مع جزر سبراتلي لتثبت لنفسها الحق في إطلاق السيادة عليها.

رابعًا ماليزيا وبروناوي؛ وفقا لميثاق الأمم المتحدة حول تنظيم أعالي البحار، تدًعي كلا من ماليزيا وبروناوي سيادتهما على منطقة بحر الصين الجنوبي لوقوعها في منطقتيهما الاقتصادية.

مع ملاحظة أن معظم الخلافات وتراشق التصريحات تكون بين الصين والفلبين حول السيادة على الجزر المتواجدة في البحر، بالإضافة إلى أن بروناوي لا تدعي الحق في السيادة على أي من الجزر على عكس باقي أطراف الأزمة.

  • أبرز المحطات في الأزمة

قبل عام 1940 لم تكن الأزمة شائعة إلى أن انتهت الحرب العالمية الثانية وكانت الصين في دائرة قوات التحالف المنتصرين، بمعنى أنها كان لديها القدرة على فرض سيادتها وفرض ادعاءاتها على بحر الصين الجنوبي والجزر الواقعة به، لكن بداية اشتداد الأزمة كان في 1974 عندما استولت الصين على جزر باراسيل بعد صدام مع القوات الفيتنامية أسفر عن مقتل أكثر من 70 قتيلًا، كما تجدد ذلك الصدام بين الصين وفيتنام في 1988 حول جزر سبراتلي وسقط عشرات القتلى من القوات الفيتنامية حيث انتهى الصدام بفرض الصين سيطرتها على تلك السلاسل الطبيعية.

ولم يكن النزاع الصيني الفيتنامي الوحيد حول تلك الأزمة، ففي الوقت نفسه كان النزاع الصيني الفلبيني هو الآخر يدخل في طريق مسدود، بعد المواجهات البحرية بينهما في 2012 حيث اتهم كلًا منهما الآخر بانتهاك سيادة شُعب “سكاربره” الذي يدّعي الطرفان بسيادتهما عليها، وفي 2013 قررت الفلبين رفع دعوى أمام المحكمة الدولية في لاهاي إلا أن الصين رفضت أي قرار يصدر عن المحكمة باعتباره مُسيسًا، واستمر الوضع حتى قررت المحكمة أكثر من مرة بأن أي ادعاء للسيادة الصينية على منطقة بحر الصين الجنوبي ليس له أي أساسًا قانونيًا، وكان أخرهم في يوليو الماضي.

  • لاعبون خارج إطار الأزمة

ما يدور في الذهن أن أزمة بحر الصين الجنوبي هي أزمة خاصة بالشرق الأقصى فما علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالأمر؟، القول المنتظر هو أنه في إطار توازنات القوى في العلاقات الدولية، فالصين التي تستمر في بناء القواعد العسكرية وإطلاق الأقمار الاصطناعية، يأتي رد الولايات المتحدة الأمريكية بإرسال مدمرات عسكرية وطائرات استطلاع تحت ادعاء مراقبة حرية الملاحة في تلك المنطقة والتأكد من عسكرة الصين للبحر، كما تدّعي الصين بأن مصدر قوة الفلبين في رفع الدعوى القضائية ضد الصين في المحكمة الدولية جاء بتحريض من الولايات المتحدة الأمريكية، في الوقت التي ترد فيه الأخيرة بأنها لا تنحاز لأي طرف في الأزمة.

أما بالنسبة لليابان؛ فتدعو اليابان إلى تجنب الحركات الاستفزازية التي قد تؤدي إلى إشعال فتيل النزاع، كما تدعو الصين بالالتزام بقرار المحكمة الدولية الدائمة باعتباره قرارًا نهائيًا، لكن ترد  الصين مُطالبةً بعدم تدخل اليابان في الأزمة.

السيناريوهات المحتملة

أولًا: الدعاوى القضائية

قد تأخذ الأزمة منحدر رفع الدعاوى القضائية أمام المحكمة الدائمة الدولية على غرار الدعوى التي رفعتها الفلبين، حيث جاء قرار المحكمة ناصفًا للأطراف المتنازعة مع الصين، لذا قد يكون هذا مُشجعًا نحو مزيد من اللجوء لوسائل سلمية لحل النزاع، فمثل هذه الدعاوى قد يُسبب للصين الكثير من المتاعب حيث قد يُنظر إليها بأنها مخالفة لقوانين أقرتها منظمة دولية تم الاعتراف بها.

ثانيًا: المفاوضات

وهو الطريق الذي تدعو إليه الولايات المتحدة الأمريكية وتحث الصين على اتباع هذا السبيل لإيجاد التفاهمات والمصالح المشتركة بين أطراف النزاع ليتجنبوا أي تطور عسكري محتمل، والمحفز لهذا السبيل هو غياب آلية تنفيذ قرار المحكمة، لذلك فطريق الحوار هو الأفضل للوصول إلى نقطة تفاهم.

ثالثًا: المواجهات العسكرية

يبدو للكثيرون أن هذا السيناريو قد يكون مستبعد لاعتبارات توازن القوى واحتمالية التدخل الأمريكي ضد الصين، لكن بافتراض أنه قد يحدث؛ حيث ستشتعل الأزمة بين الصين والفلبين من جانب، وبين الصين والولايات المتحدة الأمريكية من جانب أخر، فبعد قرار المحكمة الدولية جاء رد الخارجية الصينية واصفًا إياه بالمهزلة السياسية، كما بدأت الصين في إجراء تجارب لمطارات عسكرية في جزر سبراتلي تمهيدًا لأي احتمالات لمواجهة عسكرية.

لكن في النهاية الوضع الراهن يشير إلى استمرار الخلافات القائمة كما هي من حيث الشد والجذب في التصريحات والدعاوى نحو الحل السلمي للأزمة، وهذا لوجود قضايا أخرى على الساحة الدولية تهتم بها القوى الدولية، بالإضافة إلى حق الفيتو الذي تتمتع به الصين مما قد يحول دون اتخاذ أي تدابير دولية لحل الأزمة، وإن حدث وتدخلت القوى الدولية؛ هل سنشهد انسحاب الصين من مجلس الأمن؟ كما حدث في الأزمة الكورية عام 1950-1953م، ونتج عنه انسحاب الاتحاد السوفيتي.

 

إعداد: حسين الأجلي

إشراف: هاني غنيم

عن efsr egyot

شاهد أيضاً

التدخل العسكري الفرنسي في مالي 2013

إعداد: دينا رحومة فارس فايد إشراف: هاني غنيم   الفهرس 2 المقدمة 3 المطلب الاول: ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *