الرئيسية / ابحاث ودراسات / الحرس الثوري لا يعرف إلا لغة الحرب في إقليم كردستان العراق

الحرس الثوري لا يعرف إلا لغة الحرب في إقليم كردستان العراق

في 9 سبتمبر 2018، شنت القوات الإيرانية قصفًا صاروخيًا على مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني الموجود بالعراق، حيث أدانت الخارجية العراقية هذا القصف الذي استهدف قضاء كويستجق-التابع لمحافظة أربيل- معبرةً عن رفضها لذلك، وعلى الجانب الآخر برر الحرس الثوري الإيراني هذا الهجوم بقوله “في أعقاب الأعمال الشريرة التي وقعت خلال الأشهر الأخيرة من قبل الزمر الإرهابية في المنطقة الكردية جعل الحرس الثوري يعمل على جدول أعمال معاقبة المعتدين”.

يُعتبر الحزب الديمقراطي الكردستاني حزب ديمقراطي وطني تأسس في أغسطس 1946 بقيادة “الملا مصطفي بارزاني”، ففي البداية كان اسم الحزب هو” الحزب الديمقراطي الكوردي” وبعد ذلك تم تغيير اسمه إلى “الحزب الديمقراطي الكردستاني” في عام 1953، وبصفة عامة يهدف هذا الحزب إلى حق الأمة الكردية في تقرير مصيرها، إضافةً إلى ذلك يعمل الحزب على المستوى القومي أهمها:

السعي لتدويل القضية الكوردية في إطار المنظمات الدولية والإقليمية سياسياً، واكتساب الحركة التحررية الكوردية صفة مراقب في هذه المنظمات للدفاع عن حقوقها القومية والوطنية المشروعة، أما على المستوى الوطني يهدف لترسيخ وتعزيز الوحدة الوطنية في إقليم كردستان والعراق، والعمل على إيجاد الحلول المناسبة لحل القضايا العالقة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية وفق الدستور، أما على المستوى الإقليمي والدولي يهدف الحزب إلى تقوية العلاقات الودية بين الإقليم ودول الجوار وتعزيزها على أساس مبدأ المصالح المشتركة.

فلم يكن هذا الصراع المسلح الأول من نوعه بين كلا الطرفين سواء من قبل الحرس الثوري الإيراني والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني سواء في المحيط العراقي أو الإيراني، حيث تخيمت الأجواء الحربية على المناطق الكردية الحدودية بين إيران وإقليم كردستان العراق، وذلك لم يكن ناتج عن الأوضاع الحالية بل منذ 25 عامًا استطاع النظام الإيراني –لعدة مرات- مهاجمة إقليم كدرستان العراق سواء جوًا أو برًا، وكانت من أهم هذه الهجمات هي اغتيال المخابرات والاستخبارات الإيرانية أكثر من 300 قيادي كردي إيراني معارض في أقليم كردستان العراق ومن أبرزهم “سعيد يزدان بنا”-مؤسس حزب الحرية الكردستاني-، وفي عام 2015 قامت طائرات تابعة لإيران بأمر من فيلق القدس “قاسم السليماني” بالهجوم علي قوات حزب الحرية الكردستاني الإيراني المرابط لقوات البشمركة في غرب كركوك، إضافةً إلى ذلك جاءت تهديدات مساعد قائد الحرس الثوري “حسين سلامي” في يوليو 2016 عن شن هجوم عسكري واسع المدى بين مقاتلي الأحزاب الكردية المعارضة وقوات الحرس الثوري، فأعلن الحرس الثوري أنه سيقوم بتدمير أي جهة تشكل تهديداً لإيران ونتج عن هذه التصريحات مناشدة الأحزاب الكردية إلى القنصليات الأجنبية؛ للعمل على الضغط على النفوذ الإيراني في أقليم كردستان ووقف القصف العشوائي للمناطق الكردية الحدودية على الجانبي الإيراني والعراقي، ومن أهم هذه المناطق إقليمي أذربيجان الغربية وكردستان في غرب إيران إلى جانب بعض المناطق الموجودة في إقليم كردستان العراق.

وعلى الجانب الآخر بعدما صدرت كل هذه التصريحات تم الإعلان في عام 2016 بأن الحزب الديمقراطي الكردستاني يستأنف العمل المسلح ضد الحكومة الإيرانية، حيث دعا “مصطفي هجري”-الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني- في وسط أعداد كثيفة من أعضاء ومقاتلي الحزب ومناصريه والشباب المنخرطين في صفوف البشمركة “بأن هذا العام سيوجد قتالاً بين الجبال والمدن”، فكانت هذه الخطوة من شأنها إعلانًا صريحًا لاستئناف العمليات العسكرية التي جاءت على خلفية استراتيجية ووفقًا للظروف والتحليلات الجغرافية والديمغرافية3، ففي سبتمبر 2016 صعد الأكراد هجماتهم العسكرية في المناطق ذات الغالبية الإيرانية التابعة للحرس الثوري من قبل وحدات من قوات البشمركة مما أدى إلى مصرع العديد من الجرحى سواء من الأكراد أو القوات العسكرية الإيرانية، فوقع حوالي 39 قتيلاً من مسلحي الأكراد و6 عسكريين إيرانيين، وعلى رغم تجميد الكفاح المسلح لنشاط الحزب الكردي منذ قيام الثورة الإيرانية الإسلامية لعام 1979، إلا أنه مازالت القضية الكردية مطروحة علي الساحة السياسية العراقية والإيرانية واستأنفت النشاطات المسلحة من قِبل القواعد العسكرية ذو الخلفية الكردستانية العراقية في شمال العراق.

لم نستطع إغفال السياق الإقليمي داخل محيط كردستان العراق فمنذ بداية الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية -داعش- في العراق حيث أعطت هذه الحرب روحًا جديدة في الحركة الكردية العابرة للحدود الوطنية، فعندما هاجم تنظيم الدولة الإسلامية أربيل في عام 2014 جاء مقاتلو حزب العمال الكردستاني لكي يتصدروا المشهد العسكري في الحرب ضد داعش مما أكسبهم وزناً على الساحة الكردية العراقية، ولكن بات الصراع الداخلي يتخلل الساحة الكردية بين حزبي الديمقراطي الكردستاني وحزب العمال الكردستاني فمن الممكن إرجاع هذه النزاعات الداخلية إلى تباعد المصالح الإقليمية لطهران وأنقرة بشكل مطرد في إقليم كردستان العراق خاصةً بعد تصدر الأزمة السورية على الأجندة الدولية لكلا الطرفين، ففي عام 2015 انهارت مفاوضات السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني –وعلى الرغم من الهجمات الذي قام بها ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق- فأصبح هذا الحزب هو العدو الأول لتركيا في إقليم كردستان؛ لأنه يمثل -من وجهة نظر تركيا- امتداداً للنفوذ الإيراني في إقليم كردستان العراق لذلك عملت تركيا على الوقف بجانب الحزب الديمقراطي الكردستاني ضد حزب العمال الكردستاني الذي يتصدر المشهد في القضية  الكردية ويمثل ثقلاً لا يمكن الاستهانة به. أما بالنسبة للجانب الإيراني بات يعمل على إحياء الروابط التاريخية بينه وبين حزب العمال الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني -الخصم الرئيسي للحزب الديمقراطي الكردستاني-لكي يتزعم الحركة الكردية في العراق ولضمان الحرص على عدم خضوع الحدود بين العراق وسوريا في قبضة الفصائل الموالية لتركيا وأهمها الحزب الديمقراطي الكردستاني والمليشيات العربية السنية.

جاء إبرام اتفاقية بين الاتحاد الوطني الكردستاني-أحد أفرع حزب العمال الكردستاني- وحركة التغيير”كوران” ليضف جانب آخر على القضية الداخلية الكردية فأجرى هذا الاتفاق لضمان إنهاء مايقرب من سبع سنوات من العلاقات العدائية بين كلا الطرفين فقد شكل هذا التحزب قوة موازية مضادة للحزب الديمقراطي الكردستاني، فاستطاع في يونيو 2015 أن يقوم بتقديم مشاريع قوانين لتعديل قانون الرئاسة لكردستان العراق؛ لإنهاء فترة رئاسة بارزاني في إقليم كردستان العراق فسعوا لعمل ذلك، مما آل إلى احتجاجات شديدة اللهجة من قبل “كوران” لمكاتب الحزب الديمقراطي الكردستاني خاصة في محافظة السليمانية فأسفرت هذه الاحتجاجات إلى سقوط العديد من القتلي والجرجى من مناصري الحزب الديمقراطي الكردستاني ومنع دخول “حركة التغيير” أربيل في أكتوبر 2015 ووضع حداً لمشاركة “كوران” في المؤسسات الحكومية الكردية.

وفي عام 2017 تصدر استفتاء الانفصال لإقليم كردستان العراق الوضع على الساحة العراقية، فجميع الأطراف الدولية تخوفت من جراء هذا الاستفتاء فعملت إيران على استغلال الخلافات الكردية الداخلية لعرقلة خطط تنفيذ استفتاء الانفصال وكان ذلك جلياً في تحركات فيلق القدس –التابع للحرس الثوري الإيراني – لممارسة الضغط على الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يرأسه “بارزاني”، ولم تكتف بالضغوط فقط بل مارست العمليات العسكرية المستمرة لمنع تنشيط الأحزاب الكردية الإيرانية المعرضة مرة أخرى.

لم يكترث الحزب الديمقراطي الكردستاني بإقليم كردستان العراق بكل هذه الضغوط وقام بعمل استفتاء لانفصال أقليم كردستان عن العراق في 25 سبتمبر 2018، فكانت نسبة التأييد للانفصال وصلت إلى 92% من الأكراد المشاركين في هذا الاستفتاء، مما أدى إلى إعلان الحكومة المركزية العراقية بوقف جميع الرحلات الجوية الدولية في مطاري أربيل والسليمانية وإغلاق جميع المنافذ الحدودية البرية الدولية وأيضًا المنافذ غير الرسمية، وفي غضون ذلك اتفقت جميع الدول ومن بينها تركيا وإيران والولايات المتحدة الأمريكية إلى اتخاذ قرارات حاسمة أزاء ذلك ومنها:

  1. رفض أن يأخذ هذا الاستفتاء شكل رسمي ومن ثم يكون بصدد التنفيذ.
  2. اللجوء إلى فرض العقوبات الاقتصادية على أقليم كردستان العراق.
  3. التنديد باستخدام العمليات العسكرية لوقف ذلك.

كانت هذه ردود الأفعال لبعض الدول نتيجة إعلان نتائج الاستفتاء، فالبعض بات متخوفًا من وضع الأكراد في بلاده كإيران وتركيا من مطالبهم بالانفصال مثلما حدث بإقليم كردستان العراق والبعض رأى أنه لم يحن الأوان لتأييد هذا الاستفتاء خوفًا على المصالح المشتركة بينه وبين الحكومة المركزية العراقية وأن المحيط العراقي لم تكن من أولوياته هذه الفترة تأيد الاستفتاء أو رفضه لأنه يحارب الإرهاب على أرضه.

كل هذه الخلافات الداخلية بجانب النفوذ الإيراني المستمر في إقليم كردستان العراق إلا أنه أسفر في الوقت الحالي في سبتمبر 2018 استطاع الحرس الثوري الإيراني باطلاق 7 صواريخ على مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني مما أدى إلى قتل 9 أشخاص وأصيب 50 آخرون بجروح نتيجة للقصف هذه المدينة التي تقع على بعد 60 كم-شرق أربيل عاصمة كردستان العراق-وكان من بين هذه الجرحى الأمين العام للحزب. فقد قام الحرس الثوري الإيراني بهذا الهجوم نتيجة للأعمال الإرهابية في المنطقة وأن هذا من شأنه يؤثر على الأمن الإيراني في المحافظات التابعة لها مثل أذربيجان الغربية وكردستان وكرمنشاه، وجاءت وزارة الخارجية العراقية رداً على ذلك الهجوم بأنها ترفض هذا القصف الذي استهدف قضاء كومسنجق وأن هذا يعتبر اختراقا للسيادة العراقية.

وختاما؛ لم يكن القصف للحرس الثوري بجديد على الحزب الديمقراطي الكردستاني حيث باتت النزاعات المسلحة لغة التحدث بين كلا الطرفين سواء في السنوات السابقة أو الوقت الحالي، وقد خدمت الصراعات الداخلية في المحيط الكردستاني بين حزب العمال الكردستاني وكتلة التحزب مع حركة التغيير ضد الحزب الديمقراطي الكردستاني باستخدام الأداة العسكرية المستمرة، إضافةً إلى ذلك المستجدات التي طرحها استفتاء كردستان العراق للانفصال عن الدولة العراقية وإنشاء كيان مستقل بذاته بعيد عن السلطة المركزية العراقية وجاءت القوي الدولية بردود افعال متضاربة، وآلت الإملاءات الإيرانية تتصدر الساحة العراقية عامة وأقليم كردستان خاصة.

فهل تدفع المستجدات التي تطرحها الساحة الدولية بين الحرس الثوري والحزب الديمقراطي الكردستاني إلى اللجوء للحل السياسي أم تستمر العمليات العسكرية بين كلا الطرفين كسابق عادتها؟!

إعداد: ياسمين علاء الدين عبد العاطي

إشراف: هاني غنيم

عن efsr egyot

شاهد أيضاً

الفوضى الخلاقة وتداعياتها على الأمن الإقليمي دراسة حالة: إقليم الشرق الأوسط بعد أحداث 11 سبتمبر

إعداد الباحثة: دينا رحومة فارس فايد إشراف: هاني غنيم       الفهـــرس الموضـــــــوع الصفحة المقدمة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *