الرئيسية / مقالات / الانتماء وبناء الإنسان … بقلم هاني غنيم

الانتماء وبناء الإنسان … بقلم هاني غنيم

الهوية كلمة بسيطة ولكن فحواها كبير وممتد، وتبين الدراسات أهمية الهويه والانتماء الوطني فهو بمثابة ضمير يوجه الفرد ويرشده إلي ما فيه صالح وطنه ، فكلما وجه الانتماء إلي الوطن توجيها سليماً ، كلما كان ذلك عاملاً من عوامل بناء المجتمع وتشييد الحضارة و ترسيخ الهويه.

حيث شهدت السنوات الاخيرة التي تلت يناير 2011 تحديدا مدي حاجتنا لاعاده الهويه الوطنيه داخليا والتاكيد علي الانتماء لهذا الوطن بكل فخر واعتزاز حتي نقوم جميعا باعلاء شأن الدولة المصرية علي جميع الاصعدة ، الامر الذي يحتم علينا إعادة التأهيل ، فالانتماء عنصر ضروري وشديد الاهمية لبناء اية منظومة او مؤسسة سياسية اواجتماعية واقتصادية بل هوا حجر الزاويه في بناء المجتمع.

والانتماء الحقيقي شعور فطري كأن ينتمي الانسان إلى عائلته أو إلى وطنه أو حتى إلى المكان الذي يعمل فيه بل يمتد إلي ما هو اكثر من ذلك ليشمل العالم بأثره ان ينتمي الفرد إلي الجماعة الانسانية ، وشعور الانسان بالانتماء إلي الانسانية يجعله حريصاً علي الابداع وعدم إلحاق الضرر بكل ما يخص القيم الانسانية ، والانتماء في اللغة يعني الانتساب ، يقال انتمي فلان إلي فلان إذا ارتفع إليه في النسب، والانتساب إلي شيء يلزم العمل علي سموه وإعلاء رايته حتي يتمكن الفرد من الاعتزاز بهذا الشئ الذي ينتسب إليه . وتزايدت الحاجة إلي التاكيد علي الهويه و الانتماء بعد ظهور الدولة القُطرية ( القومية ) ، والولوج في عصر العولمة ، وتنامي التكنولوجيا وتعدد الثقافات المختلفة. جدير بالذكر ان الانتماء علاقة تبادلية فينبغي علي الدولة ان توفر لمواطنيها كافة الحقوق والامتيازات التي تجعلهم يشعرون بالانتماء إليها ويقبلون علي تأدية الواجبات المفروضة عليهم بولاء وحب . وهي قيمة يكتسبها الانسان من البيئة الذي يعيش فيها خلال مراحل نموه و خلال تفاعله مع المجمتع المحيط به وتنمي الدولة هذا الشعور عامة لدى الإنسان، فلن يحب الفرد الوطن ويـعمل على نصرته والتضحية مـن أجله إلا إذا كان هناك ما يربطه به، وينبغي ان تلتزم الدولة بتوفير كافة الفرص لكافة المواطنيين وان يكون مشاركين متساوين في المجتمع ، واحرار في حياتهم ، الحرية التي لا تتعارض مع امن الوطن بالطبع ، وفي الحفاظ علي عاداتهم الثقافية و هويتهم الوطنيه فضلا عن إصدار التشريعات والقوانين التي تضمن للمواطنين المساواة الاجتماعية والسياسية وان تعلي الدولة مبدأ واحد ناحية الكل ، والا تكيل بمكيالين حتي تعزز تلك الهويه وكذلكرغبة الافراد في المساهمة في الانتاج الوطني

وكما اوردنا الدور التي يجب ان توفره الدولة ينبغي علي الفرد ان يقدم ولاءه للدولة كجزء من وجباته تجاه وطنه وتقديم الولاء يترتب عليه احترام المبادئ التي تحكم الدولة واحترام جيشها الوطني ومؤسساتها وان يكون النقد بناءاً في حدود الممكن ، ولا يكون نقداً من اجل النقد فقط فالاصل في النقد أن يكون في التقويم ويدفع الإنسان إلى التحسن والتطوير، أما النقد الهدام فيكون نابعاً من انعدام الهويه الوطنيه والرغبة في إسقاط المجتمع وتعزيز الشعور لدي مواطني الدولة بأنها غير قادرة علي تحمل دورها ومسؤليتها ناحية أفرادها. واعتقد ان المؤامرة الحقيقية التي تستهدف الاوطان هي زرع عدم الانتماء في افراده وزادت مخاطر هذه المؤامرة في ظل السيولة المعلوماتية ( الموجهه غالبا )وتقوم مخططات دول عديدة علي تنمية هذا العامل بأعتبار ان ضعف الانتماء القومي يعني ضرب خط الدفاع الأول الذي يمتلكه اي مجتمع ، فالمجتمع الذي يشعر أفراده بعدم الانتماء إليه هو مجتمع غير مكتمل الاركان ، ضعيف الهمة ، يفتقد العنصر الاكثر حيوية للتقدم والحضارة، فلم تقوم حضارة لمجتمع لا ينتمي إليها ، فالفراعنة كانوا منتمين لحضارتهم ، والهنود الحمر ، والصينيين كذلك، واية حضارة لا تقوم الا بهذا العامل المهم الذي يحفز عند الفرد حب العمل والاخلاص والتفاني في اداء وجباته وممارسة الرقابة الذاتية علي تصرفاته وحفاظه علي هويته الوطنيه.

كيف يتم بناء الإنسان؟

يبدأ تشكيل بناء الإنسان من مرحلة الطفولة ونشأته داخل الأسرة؛ حيث يرى مجموعة من الأفعال التي يمتثل لها فتتكون لديه مجموعة من الأفكار والعادات، وهنا تكون درجة التأثر كبيرة بالبيئة التي تحيطه، بجانب بعض العوامل الشخصية التى تُشكل فروق فردية بينه وبين الآخرين، ونجد داخل العديد من الأسر المصرية أنهم لم يعتادوا على تعليم الطفل كيفية الاعتماد على الذات، الثقة بالنفس، احترام وتقبل الآخر، عدم تحمل المسئولية، أو حتى الأخد برأيه في المواقف المختلفة بجانب أشياء كثيرة من العادات والسلوكيات السيئة التي نراها الآن في تكوين الشخصية المصرية في التعامل مع الآخر سببها التربية غير السليمة من الأسرة.

بعد اجتياز الطفل سن معين يرى نفسه في محيط غير الذى اعتاد عليه فيرى نفسه داخل محيط المدرسة، محيط جديد يلعب دورًا مؤثرًا على سلوك الإنسان ويعد من أقوى المحددات السلوكية التي ينشأ عليها الفرد   -داخل قسم الهو-، يتكون هذا المحيط الجديد من العديد من الأشخاص ويحتوي على مناهج دراسية معينة -التي يجب أن يعيها الطالب جيدًا- إضافةً إلى وجود العديد من النشاطات التي قد تلائم مواهبه أو لا، فالمدرسة هي التي تستطيع أن تؤثر في تكوين شخصية الإنسان سواء في تكوين ثقافته أو هويته أو في أفكاره التي يتمسك بها في حياته.

فإذا تحدثنا عن مناهج التعليم المصرية نراها مناهج منفرة وليست عامل لاستيعاب أفكار تتناسب مع المراحل العمرية المختلفة للطلاب، لذلك نجد نسبة التسرب من التعليم عالية ونري مشاهد يومية اعتدنا عليها لأطفال يتسلقون أسوار المدارس هربًا إلى محيط أخطر وأعنف ولا يتهاون أبدًا مع الأخطاء وهو الشارع، إضافةً إلى ذلك نرى العديد من أشكال العنف الجسدي التي تمارس على الطلاب من قبل المدرسين، واهتمام هيئة التدريس بما هو مقرر في المناهج الدراسية، ومقياس نجاح الطالب يعتمد على الدرجات العالية في اجتياز بعض الاختبارات فقط، مع إغفال تام للأنشطة المدرسية وتنمية مهارات الأطفال التي لا تقل أهمية عن المواد العلمية والتي تُرسي قيم أساسية للطفل يتعامل على أساسها فيما بعد في حياته.

لذلك يخرج الطالب من مرحلة دراسية إلى أخرى دون جدوى واقعية تساهم في تكوين سلوكه. وبذلك تفقد المدرسة دورها الأهم وهو الدور التربوي والقيمي لتٌخرج لنا أجيال من التعاسة يحملون كره للمنظومة ككل، تتردٌد في أذهانهم جملة واحدة يحفظها الجميع “اسمها وزارة التربية والتعليم، يعني التربية قبل التعليم” تعقبها ضربات متتالية على أجساد غير مكتملة النمو.

وكذلك ما يتعلق بالقراءة والأدب (التثقيف الذاتي) من قدرة على التأثير في سلوك الفرد وأن المدرسة ليست العامل الوحيد هنا في التنشئة وتأسيس جيل تربى على منظومة معينة من القيم  وخير مثال على ذلك “عباس العقاد” الكاتب والأديب الذي لم يكمل تعليمه وتربى بين طيات الكتب، ومن هنا تجدر الإشارة إلى أهمية دور الكتاب ومحوريته في تشكيل الإنسان وقدرة الفرد على تثقيف ذاته دون توجيه إلى مجال معين، وافتقاد المواطن في مصر إلى تلك الثقافة في حد ذاتها، فقد تعود منذ صغره على عدم بذل أي مجهود في المعلومات المقدمة إليه سواء بالتحليل أو الفحص أو التأكد من مصدرها وأخدها دون تفكير ولا يتأخر في ترديد ما سمع وتناقله بين وسط يحمل نفس طباعه ونشأته.

بجانب هذا يوجد عامل هام يؤثر على تكوين شخصية الإنسان وهو الدين، فعندما تتحدث عن الدين في هذا المجتمع يقال إليك “إنه من المحظورات الثلاثة في هذا المجتمع بعد الجنس والسياسة” فلا تستطيع أن تسأل عن شيء فيه بـحرية بل اعتبر جميع ما يقال إليك ما هو إلا “ثوابت” لا يمكنك التفكير فيها؛ لأنك إذا أردت الاستفسار عن شئ معين خاص بالعقائد مثلاً تُوصم بالإلحاد، ولا يحق لك الحديث عن هذه الأشياء وفي كثير من الأحيان قيل لنا “لا تفكر حتى بهذه الأشياء بينك وبين نفسك لأنه قد يزعزع الإيمان بداخلك”، لكنهم غفلوا شيء أهم من ذلك وهو حق التفكير في جميع الأمور بما في ذلك الدين كحق أصيل للإنسان وحق التفكير النقدي والمطالبة بالرجوع إلى مصدر هذه الفتوى أو هذا الحديث.

أما بالنسبة إلى وسائل الإعلام نجد فيها من يُطلعنا على الآخرين في الأماكن المختلفة من العالم والتطلع على الثقافات المختلفة التي يمكن أن نتبناها كليةً أو نأخذ شيء منها أو عدم تفضيلها على الإطلاق، وعلى صعيد آخر نرى في وسائل الإعلام كيفية تأطير المواطن بالتوجه العام الذي تريده الدولة سواء يتم ذلك بعرض الحقيقة كاملةً أو التضليل عن شيء معين، وفي بعض الأحيان تعرض وسائل الإعلام معلومات مغلوطة لا يمكن تصديقها فتعمل على الاستخفاف بعقول المواطنين مما يؤدي إلى نزع الثقة بين المواطن ووسائل الإعلام ومن ثم في الحكومة.

أصبح الإعلام من العناصر الأساسية للتأثير على سلوك الإنسان المصري، لا شك أن الانحراف بكل أنواعه، كان حاضرًا في كل زمان ومكان، وقبل ظهور أي وسيلة من وسائل الإعلام، إلا أن الإعلام  في شقه السلبي في الوقت الراهن هو من ساهم في نشر ذلك الانحراف وتسويقه، بل وحتى التطبيع معه، وجعله يصل ويقتحم كل بيت.

يقول البعض إن التلفزيون هو “الوالد الثالث” لما له من تأثير في  المراهقين و الأطفال، ففي ظل تراجع دور الإتصال الشفهي بين أفراد المجتمع وداخل الأسرة الواحدة، وإنشغال الأب والأم بالضغوظ الحياتية تقدم الإعلام الجماهيري، خاصة التلفزيون ليصبح له دور يوازي دور الأبوين، فالساعات التي يقضيها الطفل أو المراهق أمام التلفزيون في يومه تصل إلى درجة قد تفوق الساعات التي تقضيها الأسرة معه، وبهذا يمكننا القول بأن التلفزيون أصبح يسهم بشكل كبير في صياغة تفكير الشباب، ويحدد لهم التوجهات الثقافية والفكرية، وأنماط السلوك الاجتماعي التي تصبغ شخصيتهم.

بالطبع نحن نتحدث هنا عن جميع وسائل الاتصال، ولكن التركيز على التلفزيون والإنترنت بشكل خاص؛ لأنهما الوسيلتان اللتان تستقطبان فئة الأطفال والشباب، وهما الوسيلتان اللتان تدخلان كل بيت وتقدمان أشكالا متنوعة وجذابة من البرامج دون رقيب، حيث حول الإعلام الشباب إلى مستهلكين شديدي الولاء للجوانب السلبية في الثقافات الأجنبية.

كما تلعب وسائل الإعلام السلبية دورا في تحفيز الأطفال والمراهقين على الاعتداء على الغير عن طريق عملية التقليد أو تقمص شخص البطل في سلوكه وتصرفاته، فكتيرًا نجد الأطفال في الشوارع تسب وتتلفظ بألفاظ بذيئة نتيجة لما شهده من فعل بطل المسلسل أو الفيلم، ويصبحون غير قادرين على التمييز بين الواقع والخيال، ممّا يجعل العنف طبيعياً بالنسبة لهم.

خلاصة القول إنّ وسائل الإعلام من الأمور التي يجب الاعتناء بها خاصة من قبل المثقفين، وأصحاب الأموال، ومن يحملون همَّ الأمة على عواتقهم، لأن وسائل الأعلام سلاح ذو حدين تستطيع بناء المجتمع وأيضاً هناك من يستطيع استخدمها لهدم المجتمع وخرابه،كما يجب على الأسرة الرقابة الدائمة على الأطفال والمراهقين، كا يجب عدم الانسياق وراء الجهة الإعلامية التي تنسجم موادها مع الأفكار، والآراء، والتوجهات الشخصية، بل يجب الإحاطة بوجهات النظر المتعددة.

وأيضًا يساهم الفن بجزء لا يمكن التهاون به في تشكيل الوعي -سواء الفن العربي أو الغربي-، فالبيئة المصرية استطاعت أن تقدم العديد من أنواع الفنون المختلفة لتشكيل مجتمع واعٍ ومتفتح، فقد تمثل الفنون المادة الخام للتغيير من سلوك وأفكار الفرد، وعلى الجانب الآخر وجدنا أنواع من الفنون استطاعت أن تدمر جيل بأكمله بتزويد هذا الجيل بأعمال من العنف والاضطهاد وتدمير منظومة القيم والمبادئ إلى حد كبير -وهذا مانراه الآن-.

ومن هنا نرى أن مهمة الإصلاح الإنساني في مصر تحتاج إلى العديد من المقومات وبالطبع لن نستطيع الوقوف عند كل هذه السلبيات التي تحيطنا، لذلك يجب أن نؤثر في البيئة المحيطة بنا ولتكن نقطة البداية من الأسرة وذلك من خلال:

  1. نشر الوعي بأهمية تربية الطفل في بيئة جيدة بعيدة عن أي شكل من أشكال الإهمال أو العنف أو الأساليب المختلفة للتربية الخاطئة، ويتم ذلك من خلال إنشاء برامج لتوعية الأسرة بأهمية التربية الصحيحة؛ لتكوين فرد ناجح وفعال في المجتمع.
  2. عمل تطبيقات إلكترونية على الموبايلات -لضمان سهولة التداول- للاهتمام بصحة الأم والطفل منذ البداية ويتم ذلك من خلال التنسيق مع المركز القومي للأمومة والطفولة.
  3. القيام بالمبادرات الصحية المختلفة للاهتمام بخلق بيئة صحية مناسبة للطفل.
  4. عمل مبادرات اجتماعية لتوعية جميع الأسر بأهمية التربية الصحيحة للطفل والاهتمام بالبيئة المحيطة؛ لأن ذلك من شأنه يؤثر في سلوك الطفل سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وتتم هذه المبادرات في شتى أنحاء مصر -خاصةً القرى-.

تحيا مصر .. تحيا مصر .. تحيا مصر

بقلم/ هاني غنيم

القاهرة: 14/11/2018

عن efsr egyot

شاهد أيضاً

مبادرات جوهرية في عالم الرئاسة الأفريقية … بقلم/ السفير محمد حجازي

عام كامل ستقضيه مصر في مقعد القيادة الأفريقية مع مطلع عام 2019 عندما تترأس مصر ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *